لا أتكلم عن السبب الذي جعلني أن أبدأ مدونة في عام 2007، لكن ما أقصد هو السبب الذي جعلني الاستمرار إلى اﻵن، اﻷهداف والأسباب ربما اختلفت منذ افتتاح المدونة، حتى طريقتها ومواضيعها اختلفت.
هذه الأهداف واﻷسباب يشترك فيها كثير من المدونون، وأهمها أنها مساحة لإيصال أفكار إلى الناس، على اﻷقل ممن يتكلمون بنفس اللغة في أي مكان من العالم. وربما تستمر هذه المخاطبة إلى أجيال لاحقة إذا كتب الله لهذه المدونة أن تبقى فترة طويلة وأن تؤرشف. واﻷفكار أهم من اﻷخبار، حيث أن الأخبار تكون عمرها قصير، لكن اﻷفكار يمكن أن تبقى عقود إذا كانت أفكاراً صحيحة وإذا كانت نافعة.
التدوين هو سماح لتلاقي وتلاقح اﻷفكار حيث يمكن أن لا نجد في مجتمعنا القريب مشارك أومُستمع، لكن بالطبع سوف نجد كثير ممن يُشاركنا اﻷفكار ويستمع لنا من وراء البحار في العالم الممتد، وحتى من نفس أقطارنا لكن يظل هُناك بعد جغرافي يمنع الناس المتشابهة في الفكر أن تلتقي.
التدوين هو إفراغ لما في أنفسنا، حيث يحتاج اﻹنسان لصحته النفسية أن يُفرغ ما في نفسه كل حين، سواءً كان بسبب سلبي أو إيجابي، بغضب أو بفرح، هناك مشاعر مكبوتة مكبوتة نحتاج أن نبوح بها، حتى لو لم يقرأ لنا أحد، فنحن نكتب لأنفسنا أولاً، كما ذكر اﻷخ أسامة الزبيدي.
التدوين هو ورقة بيضاء لكتابة مسودّة أو لتفكير بصوت عالي لأن نفهم فكرة ما، أو لترتيب أفكار، و للوصول إلى خلاصة أفكار مشتتة.
بالتدوين يمكننا تسجيل أحداث حدثت لنا أو أحداث مهمة شكلت نقطة مرجعية لنا، يمكننا أن نرجع لها كتأريخ لنعرف حدث معين، مثلاً بالنسبة لي ارجع لتدوينات لمعرفة مثلاً متى بدأت دراسة لغة برمجة معينة، ومتى تركت الوظيفة وبدأت عملي الخاص، ومتى اشتريت أول لوح طاقة شمسية ولأعرف كم اكتسبت من الوقت والخبرة في مجال معين.
التوثيق من اﻷهداف المهمة، والمدونة وسيلة فعالة للتوثيق، مثلاً الرحلات والسفر، وهي من أكثر التدوينات التي أقرأها لاحقاً بعد عدة أعوام لأعيش تجربة رحلة سفر ما، لأرجع بالذكريات للتفاصيل التي أكون أحياناً قد نسيت بعضها، ولرؤية الصور المصاحبة لتلك الأحداث والمغامرات.
التدوين هو استشارة لمن لديه فكرة أفضل منا ولديه خبرة بأن يرشدنا بخبرته حسب الموضوع الذي أحببنا استشارة المجتمع التدويني فيه من كُتّاب وقرّاء.
وهو سبب للتعمق في دراسة شيء نافع، مثلاً لكتابة موضوع تقني، يتطلب من المدون أن يقرأ ويبحث ويجرّب أحياناً إلى أن يكتب خلاصة تجربته وبحثه، فيستفيد ويُفيد غيره.
وأخيراً هو هواية مفيدة نستفيد بها في حياتنا، فنصقل بها مهارتنا في الكتابة والردود وحتى في طريقة السؤال، وإيصال المعلومة باختصار.
العمل عن بعد له عدة أشكال ومسببات، فمنه اختياري أو أن يكون إضافي أو ملحق بالمكتب، أي أن يكون العمل الأساسي هو في مكتب المؤسسة، ثم إذا دعت الحاجة أيام نهاية اﻹسبوع أو بعد نهاية الدوام أن ينجز الموظف مهمة طارئة أو مؤجلة. أو أن نحتاج لأن نعمل عن بعد في وقت الدوام نفسه. أو أن يكون العمل نفسه مبني على أن يكون عن بعد وليس فيه الزام بالحضور لمقر المؤسسة خصوصاً إذا كان له بعد جغرافي ما وراء بحار أو وراء حدود دول أو حتى ولايات. كذلك يمكن أن يكون هناك ظرف مؤقت عام مثل جائحة كورونا والحروب التي تستمر أعوام – وهي من سمات هذا العصر، فسوف لن يتركنا الغرب- فيصبح ليس هناك خيار متيسر غير العمل عن بعد لكن لفترة وإلا فسوف يؤثر هذا على المؤسسة إذا طال اللجوء إلى هذا النوع من العمل. لكن في هذه المقالة لا أريد الكلام على هل أن العمل عن بعد فعّال أم لا، لكن أريد التركيز على الموظف أو الشخص الذي يعمل عن بعد، ماذا تمثل له هذه الطريقة في العمل، هل هي إجازة مفتوحة أم عمل دائم، وهذا عن تجربة شخصية قاربت الثلاث أعوام وما زال لا يوجد خيار غيرها في الأفق.
لا شك أن العمل عن بعد في ظل الحروب مثلاً يُعد منقذ لكثير من المؤسسات – بعد مشيئة الله- فبدلاً أن تتوقف تلك المؤسسات عن العمل مؤقتاً وتعطي الموظفين مرتبات دون أن يكون لها عائد كما يحدث في المؤسسات الحكومية فتكون عبئاً على الدولة أو تُعلن إفلاسها، لذلك كان هذا الخيار من العمل يُنظر إليه بكثير من الجدّية والتقدير.
بالنسبة للشخص الذي يعمل عن بعد فنقصد به شخص يعمل من بيته أو من مكان لا يُمثل أحد مقرات مؤسسته التي يعمل فيها، فمن يعمل في أحد مقرات البعيدة التابعة لمؤسسته التي يعمل فيها، فهذا لا يُمثل العمل عن بعد الذي نريد التكلم عنه اﻵن. ذلك لأن العمل عن بعد الذي نتكلم عنه هو في مكان بعيد عن رقابة مؤسسته يجعل الشخص في حرية لاختيار الطريقة و الوقت الذي يعمل فيه، فنجد مثلاً كثير من الناس يتأخرون في بداية العمل إذا كان عن بعد، فبدلاً من الحضور للمكتب الذي يكون غالباً في السابعة أو الثامنة أو التاسعة صباحاً، تجد من يعمل عن بعد يبدأ يومه في وقت متأخر، وإذا كان مطلوب منه تحديد زمن لاجتماع تجده يختار وقت متأخر من الصباح. كذلك تجد من يعمل عن بعد في بعض اﻷحيان يذهب إلى مشوار خاص وقت الدوام بدون أن يستأذن، حيث أن أهم هدف في العمل عن بعد هو اﻹنجاز، والإنجاز ليس له ارتباط بزمن معين، لكن هذا يؤثر إذا كان عمل جماعي ومطلوب من أكثر من شخص أن يتوفرون للعمل في نفس الوقت.
هذه الحرية وعدم الرقابة خصوصاً إذا طال أمد العمل عن بعد وإذا كان عدد الموظفين كبير أو كان الموظف شديد التخصص ويُصادف أن تكون هناك أيام لا ُيطلب فيها منه مهام. فستصبح هذه الطريقة في العمل كأنها إجازة مفتوحة، بحيث يستطيع عمل كثير من أشيائه الخاصة في وقت أو أيام الدوام، لذلك سوف تكون هذه مشكلة حقيقية للمؤسسة أن كفاءة هذا الموظف قلت كثيراً مقارنة بما لو كان يعمل من مكتبها.
من الناحية الأخرى، هناك مؤسسات صغيرة بها عدد محدود من الموظفين ويكون الموظف موكل له أكثر من عمل وأكثر من تخصص فيكون ناتج عمله محسوس وتسهل متابعته، فيُصبح له العمل عن بعد هو عمل دائم، فما دام هناك توفر لسبل الإتصال مثل اﻹنترنت فوقته يمكن أن يكون كله عمل. وهذا ما دفعني للكتابه لهذا الموضوع، حيث اعتادت المؤسسة التي نعمل لها أنظمة ونقدم لها دعم فني بأن يتواصل موظفوها معنا طوال الوقت خارج الدوام وأيام الإجازة، وهذا يمكن أن يكون أحد عيوب العمل عن بعد بسبب اختلاف التوقيت بين الدول، كذلك ناتج من موظفين يأخرون عملهم أثناء الدوام وربما يكون عليهم التزامات أخرى فيتفرغون للعمل بعد العصر ومنهم من طلب مني اجتماع بعد صلاة العشاء، لكني لم استجب حفاظاً على وقت زملائنا الذين يعملون معي أن لا أزعجهم بعمل خارج الدوام. ويمكن أن يكون هذا الحال لموظفين في مؤسسات كبيرة، بعضهم يعملون طول الوقت في المؤسسات المترهلة بالموظفين ولا يوجد تساوي في الاتزام بالعمل بينهم، فتجد أن البعض هو من يحمل المؤسسة على كتفيه، فلا عجب أن تلجأ المؤسسات الخاصة التي لا تستطيع تحمل التكلفة بدون مقابل، فتلجأ كل فترة إلى تسريح الموظفين، ويمكنهم التحجج بحجة أن هذا بسبب الذكاء الاصطناعي.
هناك مشكلة أو ميزة أخرى لطول فترة العمل عن بعد، وهو أن يتعود الموظف على بيئة يُعدها بنفسه، خصوصاً إذا كان في بيت وسيع أو لديه مساحة كافية مخصصه له، فيُمكنه تخصيص تلك المساحة بما تتناسب معه، ولا تُفرض عليه كما في المكاتب العامة، وحتى درجة الحرارة لها كبير اﻷثر لا أقول على مزاج الموظف وأدائه، لكن أقول على صحته أولاً، فكثير من الناس يشتكي من أجهزة التجميد، لا أقول التبريد، فكلنا يحب الجو البارد في الصيف، لكن قليل من يحب تشغيل المكيف في الشتاء، وقليل من يحب المكاتب المجمدة في الصيف، كما دون أحد المدونين قبل فترة أنه عانى من التبريد في مكتبه وأن هذا التبريد كان للحفاظ على المبنى واﻷجهزة ولا يهم صحة الموظفين. كذلك اﻷكل والشرب يكون على مزاج الشخص بخلاف مكتب المؤسسة الذي يكون فيه اﻷكل ليس على مزاج الموظفين، ويمكن أن يكون غير صحي مقارنة بالأكل الذي يُحضّر في البيت. بالنسبة لي طوال هذه الثلاث أعوام بفضل الله لم أُصاب كثيراً بسوء هضم أو تسمم غذائي مقارنة بما كان يحدث لي عند الأكل في المكتب أو طلب أكل من الخارج أو الأكل في المطاعم.
النوم أثناء النهار بما يُعرف بالقيلولة وهي سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها أو حث عليها، ومع أنه في بعض المؤسسات منه مقر عملنا توجد به غرفة استراحة، لكن عموماً البيت أفضل للقيلولة من مكان العمل، فيجدد النشاط ولا يرهق الشخص على المدى الطويل أن يعمل بدون راحة. العبادة كذلك تختلف إذا كان العمل عن بعد، فيمكن قراءة ورد من القرآن بعد صلاتي الظهر والعصر، وكذلك الصلاة في المسجد في الحي أفضل من الصلاة في مصلى المؤسسات، لكن بعض المؤسسات تجاور المساجد ولا يكون فيها مصليات للموظفين فقط، ففي هذه الحالة يكون المسجد متوفر في الحالتين. وهذا كله يجعل الرجوع صعب للعمل في المكتب، خصوصاً أن مشكلة أن يكون العمل عن بعد يجعل اليوم كله عمل سوف لن تنتفي إذا تحولنا إلى المكاتب، فلا يزال هناك من يُلاحقنا عندما نرجع البيت بعد الدوام، لكن على اﻷقل عندما يتحول العمل كله من وضع العمل عن بعد إلى وضع العمل من المكتب فإن الموظفين سوف يعرفون أن هناك وقت للعمل ووقت للبيت.
ونختم بكلام سلمان رضى الله عنه الذي قاله فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سمعه وهو:إنَّ لنَفْسِكَ عليكَ حقًّا، ولِرَبِّكَ عليكَ حقًّا، ولِضَيْفِكَ عليكَ حقًّا، وإنَّ لِأهلِكَ عليكَ حقًّا؛ فأَعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ
السلام عليكم ورحمة الله. قبل أكثر من إثني عشر عاماً كتبت موضوع بعنوان: مائة يوم في السنة، وتكلمت فيه عن كيفية إمكانية قضاء يومي إجازة اﻹسبوع (2 * 50 اسبوعاً = 100 يوم في العام)، عن قضائه في شيء مفيد. كانت هذه الأيام استفيد منها إما لمواصلة العمل أو دراسة أو كتابة أو مشروع برمجي خارج العمل الرسمي أو الوظيفة، لكن هذا كله يُعد استمرار في نفس التخصص، سواءً عمل للوظيفة أو لغير الوظيفة أو دراسة تقنيات مطلوبة في العمل أو غير مطلوبة كله يصب في تخصص البرمجة وتطوير البرامج الذي قضيت فيه قرابة 30 عاماً، فاصبحت أمّل منه في أحيان كثيرة، وأرغب في الانفتاح على المزيد من ما تحتويه الحياة من فضاءات مختلفة، فلم أعد أريد أن أحصر نفسي في شيء واحد أكثر مما حصرت طوال الثلاثين عاماً.
لم أكن أنوي كتابة تدوينة اليوم، فلم أكن أريد الجلوس في كرسي أمام حاسوب اليوم، لكن وجدت أن الوقت باكراً وهناك أكثر من ساعة حتى يفتح السوق الذي أريد شراء مواد منه لأبدأ نشاط غير تقني لهذه اﻹجازة. وبحثت عن موضوع مائة يوم في السنة الذي كتبته سابقاً، وفوجأت أن هناك موضوع آخر بعده بستة أعوام بعنوان: آن الأوان لإجازة نهاية اﻹسبوع، وفيها نفس الكلام الذي أريد الكتابة عنه، فيظهر أن عامل تقدم العمر له كبير اﻷثر في النسيان، لكن لا بأس بالكتابة مرة أخرى بروح وصيغة وتجارب مختلفة.
ما دفعني لهذا هو أن أيام اﻹسبوع أصبحت مزدحمة بالعمل، تبدأ من السادسة أو السابعة صباحاً وتستمر إلى أذان المغرب أو العشاء، وأحياناً بعد صلاة العشاء إلى التاسعة، لأنام بعدها مباشرة ثم أستيقظ وأصلي وأبدا يوم عمل جديد، وأصبحت أحس بألم في الظهر بسبب كثرة الجلوس، لذلك عزمت على تجديد هذه الفكرة، وكتابة التدوينة تعني الالتزام بالفكرة. والهدف أن أفصل هذه اﻹجازة عن العمل في باقي اﻹسبوع بقدر ما استطيع وأبدأ نشاط مختلف واﻷفضل أن تكون فيه حركة جسدية أو خروج للخارج يعوض كثرة الجلوس أمام الحاسوب الذي أثر علي وأعتقد أنه قد فات اﻷوان لتصحيح أعراض ونتائج هذا الجلوس لعقود. مع أني لم أستطع تماماً التخلص من العمل في اﻹجازة، فقبل كتابة هذه المقالة دخلت على مخدم لمراقبة برنامج به معاملات بنكية كانت لدي تعديلات وتحسينات فيه يوم أمس فاحببت أن أرى النتيجة وأتأكد أنه يعمل بدون مشاكل.
بالنسبة لي لا أحب تمضية وقت في شيء لا استفيد منه ولا أفيد فيه، لذلك هوايات ومشروعات نهاية اﻹسبوع لابد أن تكون ذات معني وفائدة، خصوصاً مع التقدم في العمر فليس هناك وقت يضيع. ومن اﻷشياء التي خططت لها بعد عودتنا للبيت بعد النزوح هي تصليح البيت، فهو مشروع مستمر، وأنسب وقت له نهاية اﻹسبوع، وكذلك إصلاح السيارة، والعمل على مشروع طاقة شمسية، سواءً في البيت أو دراسة، والجدير بالذكر أني اشتريت جهاز أكثر تقدماً من الملتيميتر يُسمى كلامبميتر كما في الصورة أدناه، لأنقل هواية الكهرباء والطاقة الشمسية إلى درجة أكثر حرفية، وكنت أتسائل كيف يمكن أن استفيد من هذه الهواية والدراسة، فكانت احد الإجابات أن اصبحت مستشار للطاقة الشمسية لكثير من أفراد عائلتنا وجيراننا، والمساجد القريبة مننا حيث ساهمت في كشف أعطال وقصور في إمداد الطاقة في مسجدين جوارنا، ووجدت أن سببه عطل في أحد البطاريات بعد استخدام هذا الجهاز لقياس الجهد.
Clampmeter
هذا اليوم أريد العمل على مشروع حامل جديد للألواح، كما ذكرت في تدوينة سابقة أن الحامل الذي يتسع لأربعة ألواح قد اكتمل من حيث عدد اﻷلواح، لكن ما يزال هناك مساحة فارغة في سقف المنزل يسع أكثر من قاعدة إضافية، فذهبت للحداد لتفصيل قاعدة بسعة ثلاث ألواح، وقال لي أن تكلفتها هي نفس تكلفة قاعدة اﻷربعة ألواح وسوف يكون هناك متبقي من الحديد الذي سوف يشتريه، والمساحة المتبقية لا تسع لحامل بطول أربعة ألواح، لذلك نصحني هو وأحد جيراننا بتفصيل قاعدتين بدل واحدة حتى استفيد من متبقى قطع الحديد، و أقلل من التكلفة ويمكن الاستفادة منها في المستقبل. وقد جهّز وقطّع الحدادُ الحديد ولحم جزء من القواعد لكن تبقى له التركيب في أعلى المنزل، ففكرت بطلاء القاعدة قبل رفعها لأني لم أعد استطيع الصعود كما كنت أفعل أيام الشباب، ليس بسبب عجزي عن ذلك، لكن اصبحت أهاب المرتفعات، لذلك القاعدة السابقة طلاها إبني صهيب، وبعد كل تركيب للوح جديد أرفع لهم الموبايل لتصوير شكل الألواح بعد الزيادة. لذلك اﻵن فرصة أن أشارك في طلاء قاعدة أو حامل الألواح، وطلاء الحديد هو نشاط ممتع، ويوجد نوعين من الطلاء لم اختر بينهم إلى اﻵن، ربما أترك ذلك لصاحب المحل، هل استخدم الطلاء العادي مع فرشة الطلاء أم الطلاء البخاخ وهو سريع في الطلاء ويجف بسرعة، لكن لا أعرف هل يدوم طويلاً ويحمي من الصدأ مثل الطلاء العادي! ما أريد قوله أن هذا نشاط ليس له علاقة من قريب ولا بعيد عن تخصصي، لذلك فيه نوع من التغيير الذي احتاج إليه كثيراً بسبب الملل بعد ثلاثون عاماً في مجال واحد.
ما استهدفه من هذا التغيير في إجازة نهاية اﻹسبوع هو أن أعيد بعد ما سلبه الجلوس من صحتي -إن كان هذا يُجدي إن لم يفت الأوان- ، وأن أبدأ أيام العمل بروح جديدة، أي أن استفيد من هذه اﻹجازة بزيادة الطاقة للعمل. وكذلك لابد من أن تكون أحد النشاطات فيها خروج من البيت ومن الحي أو المدينة، فكلما كان هُناك مشوار ورحلة إلى مكان أبعد كان ذلك أفضل للنفس.
وبالطبع لا ننسى أن يوم الجمعة هو يوم عبادة، واﻷيام كلها أيام عبادة، بل الحياة كلها عبادة، لذلك لابد أن تكون لنا نية في أي عمل نعمله سواءً عبادة مباشرة أو عمل له أثر اجتماعي فلابد أن تكون فيه نية ترجعه إلى حيّز العبادة. ونسأل الله أن يُبارك في أيامنا كلها ويتقبل منا كل عمل، وهو على ذلك قدير.
منذ عودتنا واستقرارنا في بيتنا بفضل الله وحده، ما زلنا نعتمد على الطاقة الشمسية لمدة تجاوزت الخمسة أشهر، حيث لا زالت الكهرباء العامة لم تصل إلى منطقتنا بعد، ويمكن أن تتأخر بضعة أشهر أخرى، لكن منظومتنا الشمسية في زيادة سعة وقدرة، حيث نزيد كل مرة في مكوناتنا، ووصلت اﻵن إلى أربعة ألواح، وهي السعة القصوى لحامل الألواح الذي صنعه لنا الحداد، وكُنت أسمي مشروع زيادة اﻷلواح “مشروع لوح كل شهر”، لكن ما يزال العاكس Inverter يتحمل أربعة ألواح أخرى حسب قدرته من ناحية الفولتية بتوصيل التوالي. أما البطاريات فهي غير محددة العدد، لكن بشرط أن توصل بطريقة توازي فهو عاكس ذو 12 فولت للبطارية. كما يظهر في المخطط أدناه الذي يُمثل منظومة الطاقة الشمسية للمنزل اﻵن:
المنزل من طابقين لأسرة متوسطة، وقدرة اللوح الواحد 555 واط، لكن أقصى قدرة للألواح مجتمعة وصلت إلى حوالي 1.5 كيلو واط ساعي بين العاشرة صباحاً والثانية عشر ظهراً. وسعة البطارية الواحدة 100 أمبير، والبطارية الرابعة اشتريناها نهاية الشهر الماضي لتصل السعة الكلية للتخزين 400 أمبير ساعة، وحسب الفولتية فهو يُعادل 12 * 400 أي 4800 واط، لكن بما أنها بطاريات رصاص من نوع Gel فلا يمكن استهلاك جميع طاقتها وإلا تلفت، فيمكن تفريغها بنسبة 60 أو 70% أي أن الطاقة التخزينية المستفاد منها لا تزيد كثيراً عن 3 كيلو واط. سوف أذكر في الفقرات القادمة ما ذا يمكن أن تُشغّل هذه المنظومة من أجهزة في البيت.
4 بطاريات4 ألواحالعاكس
يحتوي البيت اﻵن على عدد من الأجهزة الكهربائية أهمها (حسب الاستهلاك) سخان الحمام ذو طاقة 1.2 كيلو واط، يليه الغسالة ثم الثلاجة وموتور المياه، ثم مبرد المياه cooler وعدد من المراوح و اللابتوبات والمصابيح وغيرها من اﻷجهزة قليلة التشغيل مثل الخلاطة والطابعة وغيرها من اﻷجهزة المنزلية اﻷخرى. لكن هناك تقسيم آخر مهم هو الذي يجب أن نقيس عليه، وهو مدة عمل تلك اﻷجهزة، فنجد هناك أجهزة تعمل طوال النهار، مثل الثلاجة وبراد المياه، والمراوح، وأجهزة تعمل لزمن محدود في اليوم، مثل موتور المياه الذي يعمل لمدة لا تزيد عن ساعة ونصف في اليوم، والسخان لا يزيد عن ساعة (كتجربة فقط حيث لم يدخل الشتاء بعد) ومصابيح اﻹضاءة التي تعمل بالليل فقط، والغسالة التي تعمل بطريقة متقطعة. ولا يوجد جهاز تكييف يعمل اﻵن، ولا سخان طبخ ولا فرن كهربائي، كل هذا خارج تحمل المنظومة اﻵن. لكن يمكن تشغيل مكيف مائي فهو ذو قدرة لا تزيد كثيراً عن المروحة، لكن لم نجربه بعد.
مبرد المياه cooler
نقسم اليوم إلى نهار يبدأ من الساعة السادسة والنصف صباحاً أو يمكن قياسها بارتفاع الشمس إلى 10 درجات. حيث استخدم برنامج sun position widget . في هذا الوقت يمكن تشغيل الأجهزة بالتتالي: براد المياه أولاً ثم بعد ربع ساعة الثلاجة، أو الموتور أو الغسالة حسب الحاجة في ذلك الوقت. وبعد الثامنة صباحاً يمكن تشغيل كل اﻷجهزة مع بعضها، ويستمر إلى الرابعة عصراً حيث نوقف الثلاجة ونبدأ في تقليل عدد اﻷجهزة التي تعمل، إلى أن تغرب الشمس فيزيد الاقتصاد في الاستهلاك كثيراً إلى أن نغلق كل شيء حوالي التاسعة والنصف أو العاشرة مساءً. ثم نبدأ تشغيل اﻹضاءة عندما نصحوا لصلاة الفجر كذلك يمكن تشغيل مبرد المياه لفترة قليلة قبل الصلاة، ثم المروحة بعد صلاة الفجر وقبل الشروق وتشرق الشمس وتستمر تلك الدورة دون أن تنقطع الكهرباء عن المنزل. وعندما كانت ثلاث بطاريات كان يحدث انقطاع بعد صلاة الفجر أحياناً إذا كان الاستهلاك كبير أثناء الليل، لكن ما يلبث أن يرجع الإمداد بعد الشروق و أحياناً قبله مع زيادة ضوء الشمس. لكن الآن بعد البطارية الرابعة فاصبح لا يوجد إنقطاع بفضل الله وحده، وإذا حدث انقطاع الصباح قبل الشروق نغلق الجهاز الذي زاد الحمل على المنظومة فترجع الكهرباء وتستقر مرة أخرى.
فترة النهار بعد ساعة من شروق الشمس يكون معظم الاعتماد على الطاقة الصادرة عن الألواح الشمسية. كذلك يبدأ شحن البطاريات وتبلغ كامل شحنها عند الثانية عشر ظهراً، وهذا يعني أن طاقة الألواح أكثر من سعة البطاريات، أي أن هناك مساحة لزايدة عدد البطاريات دون الحاجة لزيادة الألواح. وفترة المساء (قبل ساعة من غروب الشمس، وبعد ساعة من شروقها) يكون الاعتماد على البطاريات. لكن العاكس يستخدم اﻹثنين معاً إذا احتاج لذلك، مثلاً عند السابعة صباحاً إذا اشتغلت الثلاجة ومعها جهاز آخر وكانت الطاقة الناتجة عن اﻷلواح هي 400 واط، والاستهلاك 500 واط، فإنه يكمل ال 100 واط الناقصة من البطارية. كذلك أجهزة التبريد لديها ما يُعرف بطاقة اﻹقلاع أو ال surge power ويكون أضعاف القدرة المستمرة لها، مثلاً إذا كان استهلاك الثلاجة 200 واط، فعند تشغيلها يمكن أن تصل طاقة اﻹقلاع إلى 700 واط و تستمر إلى 5 ثواني تقريباً. لذلك فإن سعة البطارية وقدرتها في إنتاج طاقة لحظية مهم جداً حتى أثناء النهار، كذلك العاكس فإن لديه قدرة surge power تكون ضعف قدرته التشغيلية، مثلاً العاكس 2 كيلو يمكن أن تصل قدرته إلى 4 كيلو لكن لمدة محدودة مثلاً 5 ثواني أو 10 ثواني ويكون هذا مكتوب في دليل الاستخدام.
.لكن بعيداً عن الحسابات الدقيقة فإن أهم مقياس هو تقيمنا الشخصي لهذه المنظومة بقدرتها الحالية، وما نحس به كمستفيدين : فنقول أن اﻹمداد الكهربائي اﻵن من هذه المنظومة أفضل من إمداد الكهرباء العامة غير المستقرة، فهو أصبح يُشكل لنا أمان من ناحية توفر الطاقة التي هي اﻵن من أهم مقومات الحياة المدنية، بل هي أهم مقومات الحياة المدنية، كما كان والدي -يرحمه الله – يقول لي: الكهرباء هل الحضارة، ليست اﻹتصالات ولا الإنترنت. لكن تتطلب الكثير من الترشيد وتغيير طريقة استخدامنا لها خصوصاً الفترة المسائية والتي تستخدم البطاريات والتي هي نقطة ضعف اﻵن من ناحية سعتها المحدودة ومن ناحية تكلفتها العالية، ومن ناحية تقنيتها، حيث ما يتوفر في السوق بسعر في المتناول هي بطارية الرصاص وهي ذات عمر قصير لا يُنصح به، فبعضهم يقول أن عمرها ستة أشهر فقط ومكتوب عليها سبعة أعوام، ويكون العمر الفعلي حسب الاستخدام وحسب جودة الصناعة، لكن دعونا نجرب بأنفسنا لنعرف عمرها الحقيقي وربما نكتب عن تجربتنا عنها لاحقاً بإذن الله.
الفرن قدرته 2 كيلو واط، وهي قدرة لم تصلها الألواح اﻷربعة، وسخان الطبخ قدرته 3 كيلو واط، وهي قدرة أكبر من قدرة العاكس ذو ال 2 كيلو واط، لكن في المستقبل يمكن أن نشتري عاكس بسعة أعلى من 4 كيلو لنستطيع تشغيل مثل هذه اﻷجهزة، وهناك جهاز طبخ وجدته بالصدفة في النت في تعليق على شخص يعيش خارج الشبكة ويعتمد على الطاقة الشمسية، هذا الجهاز يُسمى قدر الطبخ البطيء slow cooker pot حيث لا تزيد قدرته في استهلاك الطاقة عن 250 واط، لكن في المقابل يحتاج لينضج اﻷكل من 6 إلى 8 ساعات، فهو بذلك ليس بديل عملي للغاز ولا سخان الطبخ السريع، لكنه خيار يُمكن أن يُساهم في تقليل تكلفة النظومات الشمسية في المنازل.
تكلفة هذه المنظومة بسعتها الحالية يعادل تقريباً 1000 دولار، ويمكن أن يُستفاد منها حتى بعد رجوع الكهرباء العامة بإذن الله، لكن لهذا مقالة أخرى إن مد الله في العمر.
قدر طبخ بطيء بقدرة 180 واط، مصدر الصورة amazon.com
منذ فترة نسمع عن أنواع جديدة من البطاريات ومنها بطاريات الصوديوم كبديل لمعدن الليثيوم غالي الثمن، وأتكلم خصوصاً عن البطاريات المستخدمة مع الطاقة الشمسية خصوصاً في استخدام المنازل، لكن لا شك أن هناك صناعة كبيرة أخرى يُستخدم فيها البطاريات كمكون أساسي وهي صناعة السيارات الكهربية.
اﻵن وأثناء كتابة هذه التدوينة في نهاية عام 2025 أفضل بطارية واكثرها استخداماً في هذين التطبيقين هي بطارية الليثيوم فوسفات الحديد ويُرمز لها بإسم LFP أو LiFePO4. ومع أن هذا النوع من بطاريات الليثيوم هي الأفضل اﻵن من حيث التكلفة وما تقدمه من سعة للكيلوجرام ومن عمرها الذي يمكن أن يصل إلى 30 عاماً، إلا أن التطور ما زال في أوجه، وقد شاهدت خبر اعتزام شركة CATL الصينية المتخصصة في صناعة بطاريات الليثيوم، عن أنها سوف تبدا في شهر ديسمبر الحالي بإنتاج بطاريات أيونات الصوديوم Sodium-ion لتقليل التكلفة بصورة كبيرة وزيادة عمر البطارية، مستفيدة من حقيقة أن عنصر الصوديوم أكثر توفراً في القشرة اﻷرضية مقارنة بالليثيوم. حيث يوجد الصوديوم في شكله الخام في مركب بيكربونات الصوديوم هو اﻷسهل استخلاصاً لعنصر الصوديوم، وبالعدم يمكن استخلاصه من ملح البحر أو من ال Brine وهو ناتج من تبخر ماء البحر في بعض المسطحات بصورة طبيعية أو كناتج لتحلية مياه البحر. لكن استخلاصه من الملح (كلوريد الصوديوم) هو أكثر تكلفة.
بطارية ليثيوم، مصدر الصورة tezepower.com
محتوى الفيديو الذي شاهدته – وهو كما يُقال أجمل من أن يكون حقيقة- هو زعم شركة CATL بإنتاج بطاريات الصوديوم بتكلفة تصل إلى 10 دولار لسعة كيلو واط ساعة، وعمر خدمي أضعاف بطارية الليثيوم فوسفات الحديد، وهو إن صح، فسوف يكون هذا أكبر نقطة تحول في تاريخ الطاقة الحديثة، فإذا قارنا مثلاً نفس السعة من بطاريات الليثيوم نجد أن سعرها يتراوح بين 50 إلى 60 دولار! لذلك كان هذا الخبر مثال انتقاد. وبالنسبة لاستخدام الطاقة في المنازل فإن أغلى مكون هو البطارية وأقلها عمراً إذا لم تكن من النوع الجيد، لذلك فإن بطارية الصوديوم إن كانت هذه التوقعات صحيحة فيمكن حينها أن تستغنى المنازل عن الكهرباء العامة وتستخدم منظومات الطاقة الشمسية بالنهار وبالليل.
ما يجعل الخبر مشكك به أنه في الغالب لن يكون المقصود به سعر البطارية للمستهلك، إنما سعر البطارية الخام قبل توصيلها إلى بطارية قابلة للاستخدام النهائي وما بها من أجهزة الكترونية و حساسات تتحكم في الشحن. السبب الثاني – حسب رأئيي- أن هذه الشركة اﻷن متفردة بإنتاج هذا النوع من البطاريات وما زال لا يُعرف تركيبته الكيميائية، فما هو الدافع لهم أن يوفروه بهذا الثمن! إنما الطبيعي أن ترخص اﻷسعار عندما تزيد المنافسة في اﻹنتاج.
تعمدت أن أكتب هذه التدوينة قبل شروق الشمس حتى استخدم البطاريات من منظومة الطاقة الشمسية، وحتى استشعر أهميتها وأنا أكتب. والاستخدام لا يقتصر على كهرباء اللابتوب، إنما يتعداه للبيئة المحيطة به في الغرفة مثلاً من إضاءة ومروحة. فالبطاريات تجعل فائض الطاقة الناتجة عن اﻷلواح يُستغل بالمساء من قبل غروب الشمس إلى ما بمعد شروقها بفترة، كذلك عند ارتفاع الاستهلاك أثناء النهار إلى فترة يكون أعلى من طاقة اﻷلواح الشمسية، فتكون البطاريات هي مصدر إضافي لتغطية هذا الطلب في الطاقة.
لا نريد الاستعجال والحكم على أن هذا صحيح أم لا، وفي الغالب سوف نشهد هذا النوع من البطاريات ويكون أفضل في الأداء والعمر مقارنة بالليثيوم، لكن بالنسبة للتكلفة ننتظر إلى بداية العام حتى نرى. وهذا هو محتوى الفيديو الذي أتكلم عنه:
اليوم نتكلم عن مفهوم العشوائية كونه ميزة و ليس عيباً أو نقصاً أو تخلفاً عن الحضارة، بل بأنه نوع من الحرية.
أول مرة يتضح لي مفهوم العشوائية بشكله الإيجابي كان ذلك في العام الماضي عند مشاهدة لقاء مع صانع محتوى مصري إسمه أحمد البدوي والذي كان قد زار السودان ثم قامت الحرب في آخر أيام زيارته للسودان. كان اللقاء مع صانعي محتوى سودانيين كانوا يسألونه عن تجربته هذه، والشاهد في موضوعنا هذا أنه قال جملة مهمة، وهي أن السودانيين وجدوا راحتهم في مصر لأن بها نفس العشوائية. فمنذ أن سمعت هذه العبارة تغيرت نظرتي للعشوائية، وأدركت أنها أحد أسباب خوفي من الهجرة خارج بلدي، لأني أخاف من الحياة النظامية التي ليست بها عشوائية، فعرفت أني أريد أن أحيا بحرية توفرها لي العشوائية، والحياة شديدة النظام وشديدة القوانين والمعززة بالحوسبة واﻷتممة في كل شيء تخيفني في الحقيقة.
لابد أن أذكر أمثلة حتى أشرح المفهوم الذي أقصده من العشوائية، ومن ضدها وهي النظام والتحكم الحكومي إبتداءً من قوانين الدولة أو حتى الولائي والخدمي على مستوى اﻷحياء، وهو يقود إلى التحكم في طريقة حياة المجتمع و كل عائلة وكل فرد. أمثلة على ذلك هو طلب اﻹذن في بعض الدول لتركيب ألواح شمسية في مبنى خاص بك، واستخدام أجهزة إنترنت التي تستقبل من القمر الصناعي، مثل ستارلينك. وفي أحد زياراتي لأوروبا رأيت في شركة ألكاتل عدد كبير من السيارات متوقفة في الخارج كأنها معرض للسيارات، فسألتهم وقالوا لي أن هذه سياراتنا لا يُسمح لنا بقيادتها كل يوم بسبب التلوث والأمطار الحمضية، فيُسمح لهم بقيادتها أيام محددة في الإسبوع وباقي اﻷيام عليهم استخدام وسائل النقل العامة. ومن اﻷمثلة أن بعض البلدان لا تسمح لك بطلاء المنزل باللون الذي تريده، لابد أن تُطلى كل المنازل بلون معين. وقطع الشارع لابد أن يكون في المكان الخصص لعبور المشاة، وإلا فسوف تلقى مخالفة. كل هذه القوانين في ظاهرها أنها مفيدة للدولة لكن تحد من حرية الشخص، مثلاً إذا قدَر الشخص أنه سوف يقطع الشارع عندما لا تكون هُناك سيارات فهي في نفس درجة اﻷمان عندما تقطع الشارع عند المكان المخصص لعبور المشاة. كذلك قطع اﻹشارة ليلاً عندما لا تكون هُناك سيارات في الاتجاه المقابل لا يضر أحد، وأعني ليلاً في المدن التي ينام فيها الناس ليلاً ولا توجد حركة إلا للطوارئ. حتى التحويلات بين الحسابات بين اﻷشخاص بعض الدول تحد منها أو تراقبها. تخيل أن كل حياتك مراقبة، من اﻷشياء التي تشتريها والمطاعم التي تطلب منها ونوعية اﻷكل وكميته وصورتك وأنت تمشي في شوارع بها كاميرات مراقبة، وأنت تقود السيارة هناك مراقبة لسرعتك. بل يمكن أن تصل القوانين أن لا يُسمح لك بالسير في الشارع دون أن تحمل معك هوية. وبالطبع لا يخفى عليكم أنه حتى المحتوى والتغريدات في الشبكات الاجتماعية أصبحت محل مراقبة من الحكومة ويُمكن أن تُسجن بسببها.
أذكر أني بدأت إجراءات عملي الخاص بطريقة سهلة، بأن طلبت من محامي تسجيل إسم عمل، فأصدر لي ورقة واحدة من مكتب السجل التجاري بعدها مباشرة أصبحت أتعاقد من جهات كبيرة وكونت فريق عمل. وأصدرت هذه الورقة قبل أن يكون لي مقر أعمل منه، ثم لاحقاً بعد عام أصدرت باقي اﻷوراق مثل سجل الضرائب. لكن في الدول النظامية لا يمكن بهذه السهولة أن يصبح لديك إذن للعمل التجاري الخاص.
قمة العشوائية -على المستوى الفردي- اختبرناها في الفترة الماضية أيام الحرب عندما عشنا في الريف وفي القرى البسيطة. تستطيع أن تؤجر بيت بكل سهولة، ليس عليك حتى إبراز هوية أو حتى عمل عقد. كل ما عليك هو أن ترى البيت وتوافق عليه ثم تتفق مع صاحبه على مبلغ شهري. ومع أن هذه العشوائية لا تحمي حقوق الطرفين، لكنها تعمد على الثقة بين الطرفين. الحياة في الريف ليس فيها كثير من النظام وتحس أن أهل هذه الأحياء والقرى هم من يسنون القوانين، فلا يوجد تدخل حكومي يُذكر علي طريقة عيش هذا المجتمع، حتى المدارس مع أنها مرتبطة بالتقويم الولائي لبداية ونهاية العام، إلا أن تسجيل طالب مثلاً لا يتطلب كثير من اﻷوراق، فقط ورقة الرقم الوطني كافية لإدخاله في أي فصل تريده إذا كانت سنه مناسبة لذلك الفصل.
الحياة في بيت ريفي أرضيته ترابية يُمثل قمة العشوائية مقارنة بالمعيشة في المدن وفي شقة مثلاً. فتجد أنك تستطيع سكب الماء في أي مكان في البيت الريفي وتتوضأ في أي مكان تريده حتى في داخل الغرفة خصوصاً في فصل الشتاء، وبالنسبة للتخلص من النفايات، يمكن عمل كومبوست في أي مكان من فناء المنزل بحفر حفرة يُرمى فيها متبقى الخضروات وقشور الفواكه، ثم ندفنها عندما تمتليء ونسقيها بالماء حتى تتحلل، ثم نحفر حفرة غيرها لبداية كومبوست جديد، ويمكن حفر نفس الحفرة بعد عدة شهور لأن محتوايتها تكون قد تحللت، وأحياناً تنبت نباتات من البذور التي تُلقى في الكومبوست، وحتى قشر البطاطا مرة نبتت منه شُجيرة. لذلك كانت النفايات التي تخرج من البيت نظيفة، تحتوي فقط على اﻷكياس البلاستيكية والقارورات والكرتون، وهذا يُقلل من التلوث العضوي للنفايات ويمنع انتشار الأمراض المرتبطة بالتخلص من النفايات بطريقة غير مناسبة بيئياً، لكن هذا لا يُمكن تنفيذه بسهولة في المدن والتي إن وُجد فيها فناء فيكون مغطى ببلاط أسمنتي.
في الريف تجد الناس يربون الحيوانات الداجنة في بيوتهم دون أن يشتكي الجيران وذلك لسعة البيوت. و كانت أبقار وأغنام الجيران تجول في الشوارع وتدخل البيوت لترعى ما فيها من أعشاب خصوصاً في فترة الخريف، ونحن لم نكن نمانع، نتركها إلى أن تأخذ وقتها ثم نفتح لها الباب لتخرج، حيث أن بعضها كان يقفز من الحائط ليدخل البيت وبعضها يدخل من الفتحة المخصصة لتصريف مياه الأمطار. وأحياناً تجدها في ترعى في ساحة المسجد. أحد المصلين تابعته عنزة إلى أن دخل المسجد فاجتهد الناس في إخراجها.
يختلف الناس في تقبلهم أو رغبتهم في الحياة بطريقة منظمة خالية من أي عشوائية، بالنسبة لنا هذا النظام المبالغ فيه هو سجن، وكذلك الحياة في شقة ما هي إلا سجن. نحن نريد مساحة من الحرية لنفعل ما نُريد في البيت من أشياء طبيعية مثل الزراعة وحتى تربية بعض الطيور، ومن تركيب ألواح شمسية دون أن يتطلب ذلك إذن، نريد مساحة لنا لا تتدخل فيها الحكومة أو النظام العالمي بفرض كيفية الحياة التي نعيشها، نريد أن نُترك فترة من الزمان نعيش بما تبقى من فطرة وعشوائية قبل أن تتدخل الأتممة والذكاء الاصنطاعي حتى في الهواء الذي نتنفسه.
في بداية العام الحالي ومع تغيير القرص في اللابتوب أخذتها فرصة للتغيير إلى توزيعة مختلفة من نظام التشغيل لينكس عن أوبونتو الذي استخدمته قرابة عقدين على سبيل التغيير وبسبب بداية تحول نسخة أوبونتو إلى نسخة تجارية كما ذكرت في تدوينة سابقة في منتصف العام. واﻵن أذكر تجربتي مع نظام أو توزيعة لينكس مينت المبني على ديبيان Linux Mint DE بعد تسعة أشهر من الاستخدام، وقد ذكّرني بكتابة هذا الموضوع اﻷخ عامر الحريري.
كان الخيار اﻷول الذي جربته في Virtual Box هو نسخة ديبيان، لكن وجدت أنها قديمة بعض الشيء واصعب في الاستخدام من أوبونتو، لذلك كان الخيار هو لينكس مينت خصوصاً بعد تحول أحد زملائنا له ونصحني بها. وتوزيعة لينكس مينت هي توزيعة حرة ومدعومة من المجتمع وليست شركة مثل كانونيكال الشركة التجارية المنتجة لتوزيعة أوبونتو. لذلك كان هذا التحول إلى توزيعة أكثر حرية وبعيدة عن النزعة التجارية في التعامل مع المستخدم، وهذا كان من أهم أسباب التحول.
السبب الثاني هو تحول حزم أوبونتو إلى snap بدلاً من استخدام apt الذي تعودنا عليه، واستخدام snap كان مزعج حقاً وقد حدثت لي مشكلة أخذت وقتاً طويلاً لحلها بعد محاولتي حذف بعض ملفات snap الذي احتل مساحة كبيرة من القرص.
اﻵن رجعنا إلى مدير الحزم apt سهل الاستخدام الذي نستخدمه في سطر اﻷوامر، واعتمادي على سطر اﻷوامر والذي يُمثل توزيعة ديبيان المعتمدة عليها توزيعة أوبونتو جعلني لا أحس بالفرق الكبير بعد استخدامي لتوزيعة مينت. ومن الملفت كذلك واجهة Cinnamon المطورة بواسطة فريق لينكس مينت، فهي واجهة مريحة في الاستخدام مقارنة بواجهة gnome.
واجهة Cinnamon
تحول معي أبنائي كذلك فسألتهم أمس حتى أذكر تجربتهم في هذه التدوينة، فقال أحدهم أنه أحس بأن الفرق بين لينكس مينت وأوبنتو مثل الفرق بين لينكس ووندوز، حيث أن توزيعة أبونتو أكثر إنغلاقاً ومينت أكثر انفتاحاً وقابلة للتخصيص، وقال اﻷصغر أنه لم يحس بالفرق حيث أن البرامج التي يستخدمها هي نفسها، فقلت لهم واﻷهم هو المتصفح، حيث أصبح كأنه نظام تشغيل مصغر ويعزلك عن نظام التشغيل الحقيقي، و أصبح معظم استخدام الحاسوب هو استخدام المتصفح.
كانت فترة التحول هذه تهدف إلى سطح المكتب من أوبونتو إلى لينكس منت، لكن تبقى المخدمات. و لا توجد نسخة مخدم في لينكس مينت، وتحول المخدمات مسألة تأخذ وقت والقرار ليس عندنا، إنما عند الزبائن الذين اقترحنا لهم استخدام نسخة مخدم أوبنتو من قبل أكثر من عقد، اﻵن هم نفسهم طلبوا التغيير لكن لعائلة RedHat ويوجد منها التجاري ويوجد منها النسخة المجانية Alma Linux.
ما زالت التجربة في بدايتها ولم يتكمل العام في الاستخدام، وربما هي محطة للانتقال إلى توزيعة أخرى، حيث كان هدفي استخدام نظام Debian وهي التوزيعة اﻷصل المنحدرة منه عدة توزيعات أشهرها أوبونتو ولينكس مينت. والجدير بالذكر أن توزيعة لينكس مينت اﻵن تحتل المركز الثاني في موقع Distrowatch :
بعد عودتنا إلى الخرطوم في هذا الصيف والعودة إلى بيتنا بفضل الله وحده، اﻵن بدأت نسمات الشتاء في قليل من البرد والجفاف. وهو شتاء غبنا عنه عامين كاملين، حيث قضينا الشتائين السابقين في مدينة كسلا في شرق السودان وكان شتاءً معتدل ورطب، عكس شتاء الخرطوم القاري الصحراوي الجاف شديد الجفاف وشديد البرد في وسطه. هذه المرة نقضيه بطريقة مختلفة ومتغيرات لم تكن موجودة سابقاً.أهم متغير في هذا الشتاء هو غياب الكهرباء العامة واستبدالها بمنظومات الطاقة الشمسية، وهناك آثار سلبية وأخرى إيجابية للشتاء على منظومات الطاقة الشمسية، ومع أننا لم نجرب ذلك بعد، إلا أنها توقعات حسب القراءات الفنية المتوفرة. وأهمها قصر النهار حيث ينقص بمقدار ساعتين عن الصيف، وهذا يعني توليد أقل للطاقة من الخلايا الشمسية، كذلك طول الليل فهو يتطلب سعة أكبر للبطاريات. لكن هتين النقطتين تقابلهما نقاط إيجابية، منها انخفاض استهلاك الكهرباء في الشتاء مقارنة بالصيف، فلا نحتاج إلى تبريد (باستخدام المراوح) خصوصاً عندما ينتصف الشتاء، كذلك نتوقع أن تُنتج اﻷلواح طاقة أكبر أثناء النهار عندما يكون الجو بارد مقارنة بحر الشمس في الصيف والذي له تأثير سلبي على إنتاج الطاقة في منتصف النهار. وأكثر ما نحتاجه في الشتاء من طاقة هي للإضاءة وتشغيل اﻷجهزة الالكترونية. حتى المياه نفسها يقل استخدامها مما يقلل زمن تشغيل الموتور والذي يستهلك طاقة كبيرة. كذلك مبرد المياه سوف يبرد المياه في وقت أقل أي سوف يستهلك طاقة أقل إلى أن نوقف تشغيله لنشرب منه الماء بدرجة حرارة الغرفة والذي يمكن أن يبلغ بين 20 إلى 25 درجة مئوية في منتصف الشتاء داخل المنزل.
لكن هُناك تحدي جديد وهو تشغيل سخان المياه في الحمام، وكنت أتوقع أن يكون استهلاكه عالي لا يتحمله العاكس inverter، لكن وجدته مكتوب عليه 1200 واط، حيث أصبحنا نقرأ مواصفات أي جهاز لنعرف قدرته الاستهلاكية قبل استخدامه مع كهرباء الطاقة الشمسية، والغريب أن غلاية الماء والتي تُستخدم لعمل الشاي قدرتها 3000 واط. وقدرة العاكس الذي نستخدمه اﻵن هي 2000 واط، ولقد وصلت عدد اﻷلواح عندنا إلى ثلاث ألواح وأقصى تجربة لإنتاج طاقة لها وصلت 1000 واط فقط، وكنت أتوقع 1350 واط لأن اللوح الواحد أقصى طاقة قرأناها له في هذه المنظومة كانت 450 واط. وما زالت هناك مساحة للوح رابع حسب سعة العاكس وسعة القاعدة التي صنعها لنا الحداد، وهي أطول مسافة متصلة في السطح بدون عوائق، لكن هناك مساحة لقاعدة أخرى بنفس الطول، يمكننا استثمارها في المستقبل إن مد الله لنا في العمر وإذا رأينا نجاح في الاستثمار الحالي لتلك المنظومة الشمسية حتى عند توفر الكهرباء العامة، والتي نتوقع أن تصل إلينا في الشهور المقبلة لما نراه من عمال الكهرباء يعملون على شد اﻷسلاك المقطوعة من أثر الحرب حولنا. ورجوع الكهرباء العامة هو أكبر عامل لأن يرجع الناس من خارج السودان ومن اﻷقاليم المختلفة إلى الخرطوم، حيث توقعنا أن توفر المياه وفتح المدارس سوف يعيدهم لكن لم يعودوا بعد.
قاعدة اﻷلواح الشمسية في سطح المنزل مواصفات السخانمبرد المياه cooler
هناك فائدة أخرى ننتظرها في الشتاء، وهي أنه عندما يشتد البرد يموت البعوض الناقل للأمراض التي انتشرت في الخرطوم بعد الحرب، وهي من الموانع الكبيرة لرجوع الناس إلى الخرطوم، لذلك فإن هذا الشتاء القارص الجاف أفضل مبيد لهذه الحشرات واﻷمراض، حيث أن المبيدات التي استخدمت قللت من أعداده وخفضت الحالة الوبائية للأمراض إلا أنه ما زال هناك بعوض مزعج خصوصاً البعوضة المسماة الزاعجة المصرية، فهي إسم على مسمى من حيث إزعاجها للناس.
في الشتاء تكثر الخُضر المختلفة في هذا الفصل، ومنها القرنبيط ويسميه بائعي الخُضر (الزهرة) وهو غير معروف في ثقافتنا، نجد أن معظم من يشتريه هم أشخاص من دول أخرى. كذلك تتوفر الطماطم وترخص إلى درجة كبيرة ولها أهمية كبيرة في المطبخ السوداني أجدها أحياناً مبالغ فيها، نحن نتوقف عن شرائها في الصيف عندما تصبح سعرها أغلي من كل الخضر وأغلى من كثير من الفواكه وذلك لأنه لا يوجد فيها فائدة غذائية تُذكر إنما أثرها في الطعم فقط يمكن الاستعاضة عنها خلال الصيف.
قرنبيط
وأخيراً فإن الشتاء يتطلب شراء ملابس للبرد، وهي لم نكن نحتاج إليها في مدينة كسلا، وبعد أن فقدنا كل ملابسنا أو معظمها خصوصاً الشتوية، فيتطلب علينا الشراء من جديد، هذا بالاضافة لضرورة شراء ألحفة سميكة للبرد أو ما نسميها بطانية، والملابس والألحفة الشتوية كانت تتوفر في سوق قريب لا يبعد عنها أكثر من كيلو متر ونصف، لكنه للأسف فإن السوق قد احترق في الحرب، فلابد أن نبحث عن أسواق أبعد، والمشكلة أن شراء الملابس و اﻷلحفة لا يُمكن أن يتم في مرة واحدة، فهو يتطلب عدة زيارات للسوق، بالإضافه لتكلفته العالية، فنسأل الله أن يعين العائدين للخرطوم على هذا الشتاء. وبعض النازحين الذين كان قد نزحوا إلى شمال السودان حيث البرد أقصى وأكثر جفافاً فسوف يرون أن برد الخرطوم اكثر اعتدالاً، لذلك سوف تكون التجارب مختلفة لكل أسرة بناءً على المكان الذي نزحوا إليه.
نسأل الله أن يكون هذا الشتاء شتاء خير على الناس وحافز لهم إلى الرجوع إلى ديارهم ومدينتهم وأن يعمروها أفضل مما كانت في السابق وأن تُعمر بذكره وبعبادته وأن تفتح المساجد المغلقة، وهو على ذلك قدير
ما زال يعرض عليّ اليوتيوب -بحكم اهتمامي بالطاقة الشمسية- محتوى لأشخاص من الغرب اختاروا الحياة خارج الشبكة أو ما يُعرف بال off-grid أو أشخاص يريدون تقليل فاتورة الكهرباء فينصبون ألواح في سقف المنزل وبطاريات وعاكس لمنظومة طاقة شمسية تغنيهم أو تقلل لهم إلى حد كبير استهلاكهم للطاقة الكهربائية العامة وهم يعيشون في بلاد فاتورة الكهرباء بها مرتفعة جداً مما يجعل الاستثمار في منظومة طاقة شمسية بغرض تقليل تلك المنصرفات منطقي. لكني أريد التحدث عن شيء مختلف اﻵن لاحظته كثيراً وكان أوضح ما يكون في فيديو شاهدته أمس لشخص ركب منظومة شمسية من 28 لوح شمسي ليعيش خارج الشبكة، مع عائلة صغيرة، ونحن كعائلة كبيرة نكتفي فقط بلوحين شمسيين إلى اﻵن لنعيش في مدينة انقطعت فيها الكهرباء العامة لعامين، فأريد أن أناقش هذا التناقض في مفهوم الحياة خارج الشبكة للمواطن الغربي.
حسب تجربتنا التي امتدت أكثر من ثماني أشهر في استخدام المنظومات الشمسية فإن لوحين من سعة 500 إلى 600 واط لللوح الواحد فهي تكفي لعائلة متوسطة وبيت متوسط لأن يعيش بدون شبكة كهرباء عامة. أما 28 لوح فهي يمكن أن تكفي لحي كامل، أو لتشغيل مياه لقرية كاملة بها مئات المنازل و يسكنها آلاف الأشخاص. على اﻷقل -حسب تجربتنا- فإنها تكفي لإمداد 14 منزل، لكن عليها أن تكون منظومات منفصلة حتى لا تتنافس عليها تلك البيوت. و من الملاحظ جلياً أن الشخص الغربي يستهلك موارد اﻷرض ليعيش حياة غاية في الترف. والمفهوم أو الهدف لأن يعيش اﻹنسان حياة خارج المدينة وخارج الشبكة أن يرجع إلى البساطة وإلى حياة أكثر استدامة وأقل استهلاكاً للموارد. لكن ما يفعله هؤلاء اﻷشخاص أصحاب مثل هذا المحتوى هو زيادة تكلفة المعيشة عن المدن، تخيل شخص يريد تقليل التكلفة في الكهرباء فينتهي به اﻷمر أن يركب محطة طاقة كاملة، تخيل أن تريد تقليل تكلفة شراء أثاث للبيت فينتهي بك اﻷمر بشراء مصنع للأثاث ليصنع لك أثاثاً لبيت واحد فقط. وهذا مشابه لاستخدام المبرمجين ما يُسمى بال frameworks بدلاً من المكتبات، فبدلاً من استخدام مكتبة بها دالة لمناداة خدمة ويب في اﻹنترنت مثلاً، فيطلب منك المبرمجين المتعودين على استخدام ال frameworks استخدام framework به كل أدوات اﻹنترنت والربط مع قواعد البيانات والتشفير وضغط الملفات وأدوات السرية، وهو ما يُرمز له بشخص طلب موزة، فأعطوه معها غوريلا تمسك بالموزة والغوريلا جاءت مع غابة كاملة، وأنت عليك أن تتحمل كل هذه التكلفة.
المحتوى به كثير من التضليل عن الواقع، خصوصاً إذا كان وراءه دعاية، لذلك عليها أن لا نقتدي به خصوصاً و الغرب له بيئة غير بيئتنا وثقافة لا تتماشي مع ثقافتنا واحتياجات ومتطلبات تزيد كثيراً عن متطلباتنا في حياتنا العامة، ومع ذلك هم لا يصلون إلى نقطة الرضا، بعكسنا نرضى بالقليل وبما قسمه الله لنا.
هناك سبب آخر لأن يكون الغرب مُستهلك لقدر كبير من الطاقة، وهي البيئة الصعبة التي يعيشون فيها، فشدة البرد تتطلب سخانات وهي من أكثراﻷجهزة المستهلكة للطاقة، وكذلك في الصيف لا يتحملون الحرارة مثلنا، لذلك يستخدمون أجهزة تكييف تتطلب كذلك قدر عالي من الطاقة. ومقارنة معنا في الشرق اﻷوسط فإن صيفنا محتمل خصوصاً المناطق بعيدة عن الشاطئ قليلة الرطوبة، والبيئة الصحراوية يكفيها مكيف صحراوي معتمد على الماء في التبريد يستهلك قد من الطاقة مثل استهلاك المراوح. ونحن اﻵن بعد الحرب أصبحت تكفينا المراوح في عز الصيف. أما في الشتاء فيقل استهلاك الطاقة إلى حد كبير جداً ولا نحتاج لأجهزة تدفأة. فنستنتج أن للبيئة لها كبير اﻷثر في الاقتصاد في استهلاك الطاقة والتنشأة والثقافة كذلك وحتى الإبداع الهندسي المعماري يمكن أن يقلل كثيراً من استهلاك الطاقة في بناء مساكن ومرافق بها تهوية لا تحتاج معها إلى تكييف في الصيف ولا تتطلب تدفأء في الشتاء، ويمكن الرجوع إلى الفن المعماري القديم لاقتباس الافكار المعمارية منه في وقت لم تكن فيه الكهرباء موجودة.
ونختم بالاستدلال على الشراهة في استهلاك الموارد في المجتمع الغربي بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: – الكافرُ يأكُلُ في سبعةِ أمعاءٍ والمُؤمِنُ يأكُلُ في مِعًى واحدٍ. أخرجه البخاري. وهذا يدل على أن المؤمن يكفيه القليل، أو أنه من اﻹيمان أن يكفيك القليل.
بعد السلسلة الطويلة من قصص الحرب والنزوح والسفر من مكان إلى مكان، رجعنا بفضل الله وحده إلى بيتنا بعد عامين وثلاثة أشهر منذ غادرناه. واﻵن أكتب من مكتبي في المنزل الذي فارقته كثيراً وفرحت بالرجوع إليه. ومع أن صيانة البيت لم تنتهي بعد وربما لا تنتهي أبداً لكن أصبح مؤهل بما فيه الكفاية لاستقبالنا ولكي نرتاح من تعب النزوح، على اﻷقل التعب النفسي المصاحب له أن تكون بعيد عن بيتك لفترة طويلة دون إرادتك.
شروق الشمس بعد يوم ماطرالعودة لمكتب المنزل
بعد أن بدأنا الترحيل المتقطع لمقتضياتنا في كل يوم نزور في البيت، قررنا أن نرحل يوم الجمعة أو السبت، لكن بعد فجر الخميس قررت فجأة ثم قلت لأبنائي أننا سوف نرحل اليوم، فكان منهم القبول والفرح بذلك الاستعجال، وبدؤوا بالتجهيز، فنقلنا الجزء اﻷول من متاعنا بالصباح، ثم رجعت الظهر لننقل ما تبقى منه لكن لم نستطع حمل كل شيء فتركنا الباقي ليوم آخر.
عند الرجوع لنقل ما تبقى لنا من مقتنيات ولنقل أبنائي أحسست بإعياء شديد وحمى، وزادت عندما رجعنا، فضيت أول يوم في البيت وأنا في بداية مرض شديد اشتد علي يوم الجمعة. وفي الغالب هذه الحمى هي حمى الضنك التي فتكت بالشعب السوداني في نهاية الحرب، ومع أنه مرض قاتل إلا أن فضل الله علي وحده بأن خففه لي ومرضت يوم واحد فقط ثم تعافيت مساء الجمعة وصباح السبت، ثم رجعت لأنقل ما تبقى من اﻷشياء، ثم بدأ بعدها بعض أبنائي يظهر عليهم المرض، لكن الحمد لله لم يدم كثيراً.
كانت أكبر مشكلة في حينا هي البعوض، حيث ظهر نوع جديد من البعوض لم يمكن موجود سابقاً، إسمه الزاعجة المصرية، وهي بعوضة نهارية، لسعتها مؤلمة، تتورم كأنها قرصة نمل، لكن ما تلبث أن تزول. وزاد منها أن أول أيام لنا في بيتنا كانت ماطرة في نهاية لموسم الخريف. لكن الحمد لله قبل يومين أو أكثر جائتنا معدات للحي لمكافحة هذا البعوض، وشرع شباب الحي برش البيوت بهذا المبيد، ومن الطريف أنهم وصلوا بيتنا وأنا كنت في بداية اجتماع عن بعد وكنت أتكلم وأعرض صورة من اللابتوب لشرح بعض النقاط، وفجأة مع صوت ماكينة الرش العالية لم استطيع الكلام وأسرعت لففتح برنامج محرر نصوص بسيط وكتبت فيه أن فريق الرش وصل وسوف أرجع بعد قليل، وجريت من الصالة التي امتلأت دخان وأصبحت أسعل وأعطس ثم دخلت غرفة أخرى وحملت معي اللابتوب لمواصلة الاجتماع، لكن كنت مصاب بنوبة عطاس استمرت أكثر من عشرة دقائق، فكنت في موقع لا أُحسد عليه، أنا احياناً لا أعرف كيف اتصرف في المواقف التي تتطلب سرعة استجابة. كانت هناك خلية للنحل صورتها سابقاً ووجدت أن معظم النحل قد مات بسبب هذا المبيد، أما عش القمرية فلم تتأثر فراخها بهذا المبيد.
خلية النحل بعد رش مبيد البعوض، لم يتبق إلا القليل
منذ ثلاث أيام انخفض عدد البعوض كثيراً وأصبحت المنطقة محتملة، فاختفى البعوض من المساجد وأثناء النهار، لكن تبقى بعض البعوض بالليل لكن نتغلب عليه باستخدام الناموسيات، ونتوقع بعد نهاية الخريف هذا أن يأتي شهر نهاية الصيف يكون شديد الحرارة ليقضي على ما تبقى من بعوض.
بعد الإفاقة من المرض بحثنا عن المدارس وأدخلت أبنائي مدارس قريبة وبعضهم مدارس بعيدة، وتبقى صهيب لم نجد له مدرسة بعد، لكن دلونا على مرسة سوف نذهب لها يوم اﻷحد بإذن الله. تفقدنا السوق، ووجدنا أن سوق السجانة القريب منا بدأ التجار بترميم محلاتهم وكثير منهم باشر العمل، وكثير منهم رجع بشكل أفضل من السابق، وظهرت وانتشرت محلات الطاقة الشمسية، وأصبحت من أساسيات المنزل، فتجد محلات الكهرباء التي تبيع الأسلاك والمقابس واللمبات أصبحت متوفرة لديها معدات منظومات الطاقة الشمسية من ألواح وبطاريات وإنفيرترات.
الجزء اﻷرضي من البيت لم تطله يد التخريب كثيراً، فوجدنا معظم متاعنا، وما احتاج صيانة من مقابس كهرباء مثلاً كانت بسبب أنها تقادمت حيث أنها كانت بعمر بناء البيت، وهو أكثر من ثلاثين عاماً، فكانت هذه فرصة للتجديد، وقد سألت نفسي وأخبرت أبنائي، لماذا لم أفكر بتغيير مقابس الكهرباء مثلاً طوال هذه الفترة، ومع أنها كانت ما زالت تعمل لكن كان إدخال وصلة بها يتطلب مجهود، وقد وجدت مقابس جديدة تحتوي على مقبسين من نوع ثلاثة عيون وإثنين في وقت واحد، وكنا قد وجدناه مستخدم في البيوت التي سكنا فيها أثناء النزوح، وخططت أن أستبدل مقبس كل يوم أو كل يومين إلى أن أُستبدل جميع مقابس البيت، لكن بالطبع لم تسر الخطة كما خططت لها، فرجع إلينا داء التسويف مرة أخرى بعد أن كنا في قمة النشاط والجدية في صيانة وتجديد المنزل. لكن لهذا أسبابه، من ناحية التكلفة ومن ناحية اﻷولويات التي تكاثرت علينا.
عدنا للمكتبة وممارسة الهوايات حيث وجد أبنائي بعض البذور التي كان قد اشتريناها قبل الحرب من معرض الزهور فزرعوا منها في بعض اﻷصص الفارغة:
أكثر جزء متضرر من البيت هو الطابق العلوي حيث سُرقت منه أسلاك التوصيل التي داخل الجدار وأُتلفت المقابس ومفاتيح المراوح والإضاءة، لكن في المقابل المراوح نفسها واللمبات موجودة. وتوصيل اﻷسلاك النحاسية مرة أخرى لهذا الطابق هو مشروع كبير ويتطلب وقت وتكلفة عالية ربما نرجأه لشهر آخر، مع أن هذا الطابق هو أكثر ما يقضي فيه أبنائي وقتهم.
تبقى لنا أن يُعاد فتح المسجد، حيث نصلي في مسجد الحي المجاور، وهو حي فيه عدد سكان أكثر مقارنة بحينا الذي ما زال معظم بيوته مهجورة، حيث أن من نزح خارج السودان ينتظر الكهرباء، لذلك سوف يتأخرون في الرجوع، أما من نزح داخل السودان خصوصاً إذا كانت منطقة غير مستقرة فيها الكهرباء فيكفي أن يتوفر الماء في حيه ليرجع. و بعد توفر الماء بفضل الله سوف يكون دافعاً لأن تعود الحياة تدريجياً للحي ولكل العاصمة، كذلك إعادة فتح المدارس والجامعات هو سبب مهم لرجوع الناس.
مشروع الطاقة الشمسية هو أهم مشروع، وقد ساهم في استقرارنا وتعتمد عليه كل سبل الراحة والمعيشة في المنزل من توفر مياه واتصالات وإضاءة بالليل ومراوح بالنهار، لذلك كان له اﻷولوية، وحيث بدأنا بتثبيت لوح واحد، زدنا لوح آخر وخططنا لأن نضيف لوح كل شهر بإذن الله إلى أن نصل إلى أقصى طاقة للمحول أو العاكس Inverter وهو ذو قدرة 2 كيلو، وسوف أتكلم عن هذا المشروع في تدوينة منفصلة في المستقبل بإذن الله.
اﻷحساس لا يوصف بالرجوع إلى البيت والطمأنينة التي تصاحبه، وقد أصبحنا نرى بيتنا بطريقة أفضل من السابق بعد هذه الرحلة الطويلة والتنقل من بيت إلى بيت، واصبحنا أكثر عزماً على صيانته وتجديدة والمحافظة عليه، فنحمد الله أولاً وأخيراً وأن يديم نعمه علينا وأن نكون من عباده الشاكرين.