خواطر في ضوء ما قرأت من أعمال لنجيب محفوظ
في رواية الحرافيش يحكي نجيب محفوظ عن جلال ابن زهيرة التي ينتهي نسبها لعاشور الناجي, وهو الشخص الذي كان اختفائه غامضا ومثيرا للجدل وباعثا لأحلام الحرافيش حول مستقبل يظهر فيه يكون الخلاص على يده من الظلم والفقر اللذين يعانون منه.
يعقد بطل الملحمة السابعة جلال قرانه على قمر ابنة عزيز زوج من أزواج زهيرة السابقين, لكن تموت قمر فجأة فتقوى في داخل جلال مشاعر ولدتها مشهد مقتل الأم حين كان لايزال صبيا.
هذه المشاعر تتطور وتنمو حتى تصل إلى النضج الذي يجعلها نواة للملحمة, وبذلك تجري الأحداث في المنحى الذي سارت عليه العديد من روايات نجيب محفوظ, ذلك المنحى يتلخص في السؤال التالي, ما قيمة الحياة المحدودة؟ الأمر الجاذب للانتباه في الرواية هو طرح نجيب محفوظ الفكرة والرد عليها من خلال عوامل الحوار والأحداث بل والمسميات أيضا.
تجاوزا لعامل الحوار وتأخير للحدث أود في البداية أن أتحدث عن التسميات, الرواية تدعى “الحرافيش” أي “الحارة ما فيش” وهو تكهن لأصل الاسم, لكن أيا كان فهذه النتيجة تستدعي الاستنتاج القائل بأن الانسان لا يمثل أي قيمة أو “وجود” في مواجهة عنصري الزمان والمكان,, الزمان الذي ترفع محفوظ ببراعة عن تحديده مما جعل القارئ يعيش في حالة من الفانتازيا ومعايشة لميتافيزيقة الرواية بشكل بديع على الرغم من وجود بضعة تحفظات على ذكر رموز حضارية حديثة ك”القسم” و”المصرف” اللتي أخلت أخلت قليلا بمهابة الجو غير المحدد, وعنصر المكان الذي يمثل سجنا رحبا يسع تناقضات الحارة من فقر وغنى في آن واحد.
ثاني المسميات وأقواهم من وجهة نظري في مجمل ما قرأت من أعمال لنجيب محفوظ هو اسم بطل الملحمة ولقبه, والمسمى تكمن قوته في ضبابيته التي تجعل القارئ لا ينتبه إليه إلا إذا تجاوزت الملحمة حد النص إلى أفق المعايشة, المسمى المتبوع باللقب هو “جلال صاحب الجلالة”. ف”ذو الجلال” هو اسم من أسماء الله الحسنى, و”جلال” من معانيه المتنزه عن الصغائر والمتنزه عن النقصان إلى جانب معان أخرى, و”ذو الجلال” هو الذي لا كمال ولا شرف ولا جلال إلا له هو. فبطل الملحمة لا يبغي من الخلود سوى التنزه عن النقصان, لا يريده طمعا في ملذات الحياة, التنزه فقط عن صغائر الأمور وسفسافها, الأمر الذي يجعله يحتقر الحرافيش ولا يحقق لهم العدالة التي يستطيع أن يكفلها لهم بصفته فتوة الحارة ذلك لأن مطالبهم محدودة بضيق بقائهم على الأرض.
في سورة الرحمن الآية السابعة والعشرين يقول الله عز وجل:”ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام” أي أن هذا هو الحال بعد فناء جميع الأحياء, يبقى ذو الجلال “الله” وحده لا يخلد مخلوق على كرامته عنده تعالى.
أما اللقب الذي أطلقه الكاتب “صاحب الجلالة” وهو اللقب الذي لا يجوز شرعا إطلاقه على أيا كان, فقد أعطاه محفوظ كنوع من السخرية والتهكم,كما يقول الله تعالى في كتابه العزيز “ذق إنك أنت العزيز الكريم” الآية التاسعة من سورة الدخان.
وعن مسميات أخرى أذكر منها, زينات الشقراء وهي امرأة كانت تعطي شعرها لون الذهب, في إشارة إلى زينة الحياة “الدنيا” تجسيدا للحكمة المتداولة في تراثنا الإسلامي بأن الدنيا امرأة مسنة تتزين وتتجمل لتلهي العباد عن رب العباد, وكم يقابل قارئ القرآن من اقتران كلمتي الزينة بالحياة, واللون الأصفر ذو الكراهة في التأويل بالمرض والزيف.
الحدث .. يؤاخي جلال الجن للحصول على الخلود, ومن أجل ذلك يبني مأذنة لا أصل لها في أرض خربة في الحارة, كأنها تحديا للموت وناموس الكون الفناء, لكن يموت جلال بعد خروجه من معزله الذي استمر عاما كاملا ليلاقي الموت على يد شربة مسمومة من زينات فيموت في وهو يتدلى من مشرب الحيوانات.
أتخطى جلال “صاحب الجلالة”إلى طرف من حياة نجيب محفوظ, الذي كتب كتابا يكاد يكون لغزا لا سيرة ذاتية صريحة, وهو الأمر الذي حير كبار الأدباء والمفكرين, هل عبد ربه التائه هو هو محفوظ؟ اقتطع صدى واحدا من الأصداء:
شكر
قال عبد ربه التائه:
الحمدلله الذي أنقذنا وجوده من العبث في الدنيا والفناء في الآخرة.
من يقرأ عن نجيب محفوظ والفكر الذي تأثر به يجد مساحة واسعة لسارتر وكامو, ورغم أني لم أقرأ لكليهما إلا أنني أستطيع أن أتبين مدى قتامة فكرهما, ولا غرابة في ذلك فقد كانا كما كان محفوظ أيضا ضحية للأوضاع السائدة عسكريا كانت أو سياسية, فبالنسبة للسابقين كان خراب الحربين العالميتين, وبالنسبة للاحق فهو احتلال الإنجليز ووقوع مصر كضحية لا حول لها ولا قوة بين قوى عالمية متصارعة يضع مواطنيها آمالهم على غلبة أحد الطرفين كي يخلصها من الطرف الآخر, أو استبداد سياسي أثر بشكل تبعي على كل شئ في مصر, سواء كان استبداد ملكي وعسكر وختاما باستبداد نظام يتهاون بآمال المصريين.
الاستبداد السياسي أربطه بمقولة عبد ربه التائه, فاستبداد أوربا جعل من ابني حضارة الغال ضحية للعبث الوجودي بشكل تخطى الشعور إلى حياتهم نفسها, أما نجيب محفوظ الذي هو بوتقا كأي مصري للإسلام والعروبة والفرعونية, لم تنفذ مشاعر العبث الوجودي من نفسه إلى خارجها, فقد حافظ على حياة عادية شرقية حتى أنه كان يسخر من نفسه ويقول أن ليس أديبا بل موظفا فالأديب الحقيقي يكون مثل هيمنغواي في إشارة منه إلى تحرره للطبيعة واتخاذه كوخا في الغابات كمعزل تخرج منه كتاباته.
كان نجيب محفوظ ممجدا للثورة ويظهر هذا في كتاباته, ولا أعني ثورة بيعنها لكن الثورة بشكل عام , تلك الثورة التي تجعل للحياة قيمة في حد ذاتها وتسلم الشعب لا فئة منه مقاليد حكم نفسه, وفي لمحة لطيفة نستعرض قوله في صدى آخر:
دعاء
دعوت للثورة وأنا دون السابعة.
ذهبت ذات صباح إلى مدرستي الأولية محروسا بالخادمة. سرت كمن يساق إلى سجن. بيدي كراسة وفي عيني كآبة. وفي قلبي حنين للفوضى, والهواء البارد يلسع ساقي شبه العاريتين تحت بنطلوني القصير. وجدنا المدرسة مغلقة, والفراش يقول بصوت جهير:
بسبب المظاهرات لا دراسة اليوم أيضا.
غمرتني موجة من الفرح طارت بي إل شاطئ السعادة ومن صميم قلبي دعوت الله أن تدوم الثورة إلى الأبد.
قديما قالوا بالخبز وحده لا يحيا الإنسان, وقد صدق القدماء, فالمادة غاية الأنعام, أما الانسان فلا يرضيه إلا المثل وادراك معنى الكمال حتى وان كان بطبيعته غير قادر على تحقيقه في واقعه.
الشاهد مما كتبت, أن في ظل الاستبداد السياسي قد يعيش الانسان مكرما مأكل ومشرب وحياة وأشخاص حوله يتشارك معهم السراء والضراء, لكن يظل مع ذلك رافضا للاستبداد حتى ولو كان افصاحه عن الرفض يؤذيه فقد يشعر باحترام لذاته, أما إذا تغلب عليه الاستبداد ورضخ له فإن ما سينتج عن ذلك لن يكون سوى “عبث وجودي”.