لم يكن فن الرسم على الحوائط، أو ما يعرف بالجرافيتي، ابداً غربياً على المصريين. فحتى إذا استثنينا الرسومات على حوائط المعابد و المقابر في العصور القديمة لكونها نفذت بأمر من الحكام و ذوي النفوذ، فأننا سنجد أنفسنا أمام رصيد هائل من الرسومات و الزخارف المنتشرة في انحاء مصر. رسوم
الفريسكو تصور السيدة العذراء و المسيح و القديسين في مغارات الاديرة، طائرات و سفن تحتفل بسلامة العودة من الحج، صور الحياة اليومية من صناعة الخبز و حلب الابقار في القرنة، و طيور و أسماك و تماسيح على منازل النوبة، هذا على سبيل المثال لا الحصر. و من أكثر الرسومات اثارة للإهتمام تلك الموجودة في نجع حمادي بقنا، فالرسومات هناك ليست على البيوت و لا جدران الكهوف بل على شواهد القبور.”

تقع جبّانة * “هِو” في قرية الأميري على بعد حوالي ستة كيلومترات من مدينة نجع حمادي، و تتميز شواهد قبورها، فضلا عن الرسومات، بأشكالها الشبيهه بالجمال. فهي عبارة عن قاعدة مستطيلة يعلوها شاهدان ، الشاهد الأمامي يزيد في إرتفاعه موحياً بشكل رقبة الجمل، بينما يبقى الشاهد الخلفي قصيرا مستديرا. و تكفي نظرة واحدة على القبر لتمييز نوع و سن المتوفي، و معرفة صفاته و حالته الاقتصادية، و ذلك إعتمادا على الشكل و الحجم و الزخارف كما يلي:

النوع الأول: يسمّى المصري أو البحيري، و يكون جزء القاعدة أعلى في الإرتفاع، مع زيادة في إرتفاع الرقبة، و في بعض الاحيان يتم بناء ما يشبه العِمّة في أعلاها . و هذا الشكل خاص بالرجال، خاصة كبار السن أو المقام، و كلما زاد إرتفاع الرقبة أو حجم العِمّة دلّ ذلك على شهامة المتوفي و حُسن طباعه.
النوع الثاني: يسمّى أبو رقبة، و يقل فيه ارتفاعي القاعدة و الرقبة، و هو خاص بالسيدات، و احيانا بالشباب اذا وجدت العِمّة أعلى الرقبة.
النوع الثالث: يسمّى التابوت، و هو القاعدة المستطيلة فقط، و تكون مدهونة باللون الأبيض و احياناً الأخضر. و هذا الشكل خاص بالأطفال و الفقراء لخلوه عادة من الزخارف.
تُبنى الشواهد بالطوب اللبن ثم تطلى بالجير الأبيض، و عند جفافه يكون جاهزاً لطلاء الجرافيتي عليها. و يستخدم اللونين الأزرق و البرتقالي فقط في عمل الزخارف – و تسمّى “الزوقة” -، و تُصنع الألوان من أكاسيد ملونة تخلط بالجير الأبيض. يبدأ العمل بتقسيم القاعدة و الرقبة الى وحدات مربعة ثم تملئ بأشكال مختلفة من النباتات و الورود. و في أسفل القاعدة، و احياناً على الرقبة، ترسم أشكال خاصة بالرجال و النساء مثل:
ابريق الشاي و الفناجين و الصينية: و تدل على كرم الرجل.
السبحة: للدلالة على تدينه.
سجادة الصلاة: و هي خاصة بمقابر المرأة للدلالة على صلاحها.
العصا – الشمسية: بعض متعلقات الرجل التي كان يستخدمها في حياته.
الشال – المرآة – المشط: من أدوات المرأة و يدلون على جمالها.
المقص: يوضع على قبر المرأة كأحد متعلقاتها، أو على قبر رجل للدلالة على مهنته.

و بهذا تظل جبانات هِو، مثل باقي مقابر و قرافات مصر، مكان يجمع بين الماضي و الحاضر، بين الفن و الصمت، و بين الأحياء و الأموات.
“ضريـح رخـام فيـه السعيـد اندفـن
وحفره فيهـا الشريـد من غيـر كفـن
مريت ع الاتنيـن قولـت ياللعجـــــب
الاتنين ليـهم نفس ريحه العفــــن
عجبى
*جبانة: و الجمع جبانات و هي المقابر





(نشر هذا المقال في جريدة اهل البلد الالكترونية بتاريخ 23-5-2012: http://www.ahlelbalad.com/index.php/culture/302-grafety، و الصور من الارشيف القومي للمأثورات الشعبية)



























