الجمعة، 14 مايو 2021

 حارس

رسم بجناجيه شراعات سفن  و حلق بها في علياء الزمن. في السماء السابعة كان الملاك الحارس  تشع ومضاته و تضىء أنواره  أكبر حيز للأرض، معلوم أنه كلما  زاد الإرتفاع إزدادت الرقعة.

كعادة البشر حن للأرض  يقترب يوما بعد يوم   في السماء الدنيا بدأت تراه العيون لكن لم تزل تفاصيله غامضةـ فظل الملاك الغامض يتنقل بين السماوات حتى جاء الوقت الذي لفظته كل سماء و سملته للأدني منها، لم يجد بد من الإقتراب رغما عنه فلا يصح أن يصبح ملاكاً أبدياً و عجينة طينه تملأ خلجات نقصه.


سار للأرض تشعب بين دروبه تحرقه الدنيا بلهيبها و من وقت لأخر تطل عليه رياح الجنة فتعينه على ما ألم به من نيران شقت في أخاديده سرت فيه كنهر جار ترعرعت فيه جنان العنب و النخيل و جوارها شجر زقوم..

اقترب أكثر دنا و دنا تناسى ناظروه الملاك طفت شوائبه على سطح جلده، سخر منه كل داني و حذر منه القاصي، فاصبح محذوراً  (محظوراً) 

و بعين الإعتبار يراه كل راء يمصمص شفاه و يتمنى ألا يعيش تجربته و للأزل باق هو بين السماء و الأرض

 

الاثنين، 12 أكتوبر 2015

شهادة حب


 ولدت قبلها بايام معدودة لكني عندما خرجت للدنيا وجدتها

 فاستقبلتني

و مذ أن وقع ناظريها علي صورتي و هي بداخلها، كأنها النور التي ترى بها
 فكلما ابتعدت صورتي لم تر شيئا
فما زلت في عينها احيا و هي في قلبي تغذيه


 ما عدت اترقب القرب المتواصل لكني اعلم أنها هناك دوما

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2015

[12]

سنة فارقة حوت أحداث كبيرة  أثَرَت في نفسي و أثْرتها ،يوم كمثله من الأيام نقوم في الصباح نشتري الزلابية من عند عم رمضان و نشق بها ريقنا ، ستي جنب الباب تخرط بقايا الأكل للفراخ في حرفية و تحمل الطبق البلاستيك على رأسها ، و في يدها طبق الالمونيا فيه الدشيش المعجون بالماء و تطلع في السطح لأولادها ، ينتصف النهار ياتي عمي يأكل تصبيره بلقمة ناشفه مخبوزه من عيش الفرن البلدي مع أي خضرة و حتة جبنة، ننتظر أبي كعادته ينزل من القطار من شريط السكة الحديد المطل على البيت في تمام الرابعة، يجمتع ولاد الحارة للعب "كرة-بلي- السبع طوبات-الحجلة- ..الخ"
   فكنت بين بيئتين مختلفتين تمامًا أولها تلك المدرسة الخاصة التي كنت اخجل أحيانًا من ذكر إسمها أمام أولاد الحارة حتى لا يتخدوني مجالًا للسخرية و الاستهزاء فقد كانت المدرسة الخاصة من وجهة نظرهم للأولاد المرفهين أصحاب المال و المناصب "العيال الفافي" ، لم يدركوا حينها أن هناك  آباء استدانوا و طفحوا الدم حتى يكمل اولادهم تعليمهم في مثل هذه المدارس. و الشهادة لله كان تعليم رائع و مازلت أذكر بالحسنى المدرسين  أستاذ شعيب و استاذ صلاح و مدام جورجيت .. 
و ثانيها بيئة المدرسة نفسها كنت أخجل أن افصح عن مكان اقامتي و الحال التي نعيشها مقارنة بما آراه من مصروف للأولاد في أيديهم و منظر شنطهم و حتى السندوتشات و مشترياتهم من العربة أمام المدرسة أثناء الفسحة.
"كنت أستغرب جدًا من سندوتش ا لحلاوة الذي لا يسيح من الشمس بتاع تيمور ، مع ان سندوتش الحلاوة اللي كنت باخده كان بيسيح من اول حصة و بيلزق كمان في الكيس ، ازاي للآن لا اعرف" ، فقلت يمكن أن تكون حلاوة ذات مواصفات خاصة تأتي من محلات خاصة لسكان مناطق معينة أو يمكن أن يأتي أحدهم بالسندوتش طازجًا قرب موعد الفسحة ، و عندما يأتي الحديث عن التليفزيون و ما شاهده بعضهم من أفلام أجنبية كان معظم الحديث عن "بدسبنسر" و كيف فعل كذا و كذا و لانه لم يكن لدينا تليفزيون وقتها ، فكنت أحيانا اسمع من مجموعة ما دار في فلم أو مسلسل و أذهب لمجموعة أخرى تكرر نفس ما قالته الأولى فأظفر بنشوة المعرفة السمعية على الأقل .
بين أولاد الحارة و هيئتهم " ابوليزيد "زيدة"، و منعم "أرخم مخلوق على وجه الأرض"،و أشرف "رزق"، و أشرف "فاكهة"..الخ"و اللعب في الشارع و التراب ـ و بين أولاد المدرسة  "أحمد عاطف، و احمد مناع،صمويل، ميشيل .. و بونجور مدام الخ " ادور في فلك هذا الانتقال من بيئات مختلفه فقد صقلت شخصيتي بطريقة أو بأخرى و تأثرت بذلك سواء شعرت أو لا.

- اسم أمي كان يمثل لي مجالًا أكبر للسخرية من عيال الحارة عامة ، و ابن عمي و اخي في الرضاع خاصة  و ذلك قبل أن اعرف معناه و قصته . عندما ينضم  الى سخريتهم  
- قاربت الأجازة على الانتهاء بشائر الدراسة تهل بنسيم خريف يحمل عامًا مختلفًا ، أصبحت الآن في نهاية ا لمرحلة الابتدائية أرجع بذاكرتي الى الوراء و رائحة العيش المحمص من فرن أم علاء و سيري مع أبي بعد الفجر يرتل جزء من سورة مريم و أردد خلفه،و حقنة عم محمد في مرض أمي، البيجاما الكستور و تفصيلها كبيرة علشان هتكش طبعًا بعد الغسيل، أشياء متداخلة لا علاقة لها ببعض استوقفتني على أعتاب هذه السنة
- تبدأ الدراسة و يدخل أستاذ صلاح مدرس الحساب بقامته الممشوقة و صوته الجهوري و حبه الذي زرعه في قلوبنا و الرهبة التي نالها منا حتى و ان لم يكن قد درس لنا من قبل لكن طابور الصباح و الاذاعة كانت كفيلة بأن ينال هذا الاعجاب الذي لا يخلو من رهبة ، شرح مميز خط جميل ، أستاذ شعيب مدرس اللغة العربية اعرج الرجل يمسك طباشيرة و يكتب التاريخ الهجري و الميلادي كأنه فنان يرسم لوحة خط رائع و شرح لذيذ مميز و كان اذا تضايق ممن أحدنا  شد أذنه بقوة وقائلا يا كلب يا وسخ ، مدام جورجيت و مدام سهير و ... لكن ما ظل عالقًا في ذهني لليوم هما المدرسان الجليلان صلاح و شعيب.
- تمر أيام الدراسة و تنادي علي ال ما سور "مديرة المدرسة" تخبرني بأدب أنه لابد من دفع المصروفات يترك الخبر علامة في نفسي دون أن أظهر شىء يلاحظة زملائي و أذهب للبيت لأبلغهم بالامر 
استاذ صلاح بصوته الجهوري يقول اللي هيقل عن 55 من 60 في امتحان الشهر هينضرب عدد الدرجات اللي نقصها ، كل لما يدخل بورق العرايز يكون الكل مترقب درجته ايهاب محمد عبد الله 58 أتنفس وقتها الصعداء ، و أفرح بامضاء أبويا  على الورقة .
- في الفرنساوي كنت خايب شوية في مرة جت المدرسة توزع الورق ، لقتها بتنادي الاسماء و لقيت اسمي بيتنده خير اللهم اجعله خير بس لما لقيت اسماء ناس شطار معايا اطمنت شوية و لقيتها بتقول للفصل صفقوا لهم استغربت و عرفت بعدها اننا جبنا الدرجة النهائية في سري ازاي حصلت دي أكيد الورق اتبدل 
- حصة كاملة لملىء استمارات الامتحان ، لجنة الامتحان مدرسة طنطا الاعدادية بنات.
يقترب موعد امتحان أخر العام ، يساعدني أبي في فهم مسائل الرياضة(على شاكلة أب ضعف عمر ابنه...) و حفظ المساحات و الحجوم للاشكال .
- قبل الامتحان بليلة كنت زهقت من المذاكرة و حصل لي زي سدة النفس ، أخذني أبي و ذهب بي للسينما أيوه للسينما كان معروض فلم فتوات بولاق و الشيطان يعظ في بروجرام واحد  على سبيل انه يفرفشني، و رجعنا و شربنا عصير قصب من المحل اللي تحت السينما 
 - يوم الامتحان لا يخلو الأمر من كركبة بطن من طبيعة الامتحان و أيضا من الغربة التي وجدتها في مدرسة أخرى غير مدرستي الأصلية تأتي مديرة المدرسة لتطمئنا و تشد من ازرنا و تنبهنا على عدم الغش
- مر امتحان العربي في اليوم الأول و في فترة الفاصل بين الامتحانات وجدت ابنة عمي الكبرى مديحة تنتظرني و معها بسكوت و حاجة ساقعة اعطتهم لي 
انتهت أيام الامتحانات و بدأت الأجازة و مع بدايتها اشتد الخلاف بين أبي و عمي و انتهى المآل إلى ضرورة ترك بيت العائلة - راجع ما قبل البداية - و كان المخطط أن نقعد في بيت مدة مؤقتة لا تتعدي شهر أو شهرين ننتقل بعدها لشقة تتبع عمل والدي بالمحلة و امتدت المدة المؤقتة لتصبح ست سنوات كاملة .و لهذا حديث أخر


الاثنين، 24 فبراير 2014

نقطة و من أول السطر

تتأرجح المشاعر و تتبدل الاهتمامات  ... و تطفو اولويات على السطح و تتنقل فيما بينها على سلم الحاجات .. و يظل الاهتمام بما يشعر به القلب  يتصدر المشهد و  و ما يجيش به الصدر فى صدارة الاولويات

و كثيرًا ما نقف و نقول لانفسنا الان نقطة و من اول السطر

و هذه العبارة قد تصح فى الامور المادية الجامدة التى تخضع للمنطق و الحسابات بالورقة و القلم
 لكن فى الامور القلبية العاطفية التى يظل فيها القلب المسيطر على المشهد ، المالك بزمام الامور تظل جملة تقال باللسان   لا تخضع للتنفيذ و ان خضعت لا يتم تطبيقها الا لايام معدودة او ليالى قليلة

و  الاكثر تعقيدا ان هذه العلاقة لا تخضع لمنطق او قانون او حساب و أو قياس   فهى تتم بتلقائية غريبة  غير مقترنه بتوقيت و لا مدة تتضح فيها فقد يكفى لها يوم لتنضج او سنين لتتضح ، و الغريب انه لا ينفع معها نصح ناصح و لا تجربة مجرب و لا عقل ناضج
فالذى بداخل العلاقة حتى و ان لم يستطع تقييمها و لا حتى معرفة سببها هو الخاضع تحت تاثير المشاعر الراضى بعواقب البعاد المستسلم لما فيها من شد و جذب  وهبوط و ارتفاع ، بل احيانا يعتبر هذا التذبذب من جمالها و من ميزاتها و شىء من التجدد و الامتاع بدلا من ان تبقى على وتيرة واحدة تسبب الحنق و تدعو الى الخمول 
و ان سالت أحدهم كيف ...؟؟؟  يكون الجواب  : لا ادرى!؟

حتى و ان تم البعاد  او حدث الفراق  لا يمكن ان تقول نقطة و من اول السطر ، فما سطرته المشاعر فى القلب من رضا و قرب او عتاب و جرح لا نستطيع ان نقول على اثره نقطة و من اول السطر حتى لو خدعنا انفسنا و اوهمنا ارواحنا ان كل شىء "تمام" فلابد ان يتبقى اثر للفراق و ووجع للبعاد ، او حنين للقرب و رغبة فى الود

فدائرة المشاعر هى دائرتك وحدك لا تقبل فيها نصيحة او تأخذ بعين الاعتبار ارشاد   فمهما سردت و قصصت  للمقربين  ، و اقنعوك بما لا تراه و ان هنا امر كذا خفى عليك و مساوىء لا تراها و عاقبة لا تحسن ادراكها الا انهم مهما اقتربوا فهم خارج دائرة الضوء لشعورك و يبقى نصحهم خوفا من حفرة انت اصلا تتمنى دخولها .. او طريق شائك تتمنى السير عليه

و يبقى السؤال كيف تتسلل هذه المشاعر الى انفسنا سواء تتبعنا خطواتها من البداية ، او وجدنا انفسنا غرقى حتى اذاننا فيها  و نتفاجىء اننا  ضللنا طريق  العودة و فقدنا بوصلة الاختيار ؟

و عليه فالتوسط مطلوب و غرس معنى الحياة لا تعطى كل ما نتمنى و  علينا ان نفهم ان تركنا لاشياء سواء باردتنا او رغم عنا  هى السبيل كى نُعطى اشياء اخرى لتسير الحياة بتوازن و يتشكل الرضا 

فلا نأسى على ما فاتنا و لا نفرح بما اؤتينا







الجمعة، 20 ديسمبر 2013

[11]


  • في محاولة لاستكمال ما مضى ومواظبة على اكمال ما بدأت ، اذكر بما نبهت عليه من قبل ان الكتابة قد تنقطع لسبب او لغير سبب

    امنى نفسى بالذهاب غدًا للعزبة "كما نسميها"  بالقطار و ليس بالاتوبيس

    لكن لكل منهما ميزة و عيب

    عند ركوب القطار لا اصاب بالدوار   أما العيب  هو الحرمان من ركوب المركب من مطوبس الى ادفينا اما

    عند ركوب الاتوبيس فأصاب بالدوار  و ميزته ان نذهب لدسوق او كفر الشيخ ثم مطوبس و ناخذ مركب يقلنا لادفينا

    فكل اختيار كالحياة فيه منفعة و لا يخلو من ضرر و            

    ابويا خلاص يا ست   دى كل الحاجات اللى هناخدها

    امى :ايوه  حطيت كل حاجة

    و تبدأ اخر مراحل التجهيز  برص الاشياء فى الكراتين و احيانا "القفف" و  التأكد من ربطها بقوة   ثم ينادى ابى علينا

    قائلًا : يلا يا ولاد علشان هنصحى بدرى و نلحق وقتنا و نبقى براحتنا.

    فى المرات التى نركب فيها الاتوبيس احب الجلوس بجوار النافذة حتى استنشق الهواء فرائحة الاتوبيس و موقفه و البنزين الممزوج بتراب الارض  كان يصيبنى بالغثيان  لكن فى هذه المرة ركبنا القطار و ضاعت علينا فسحة المركب و هريسة مطوبس

       و كانت من تعليمات  أبى  لنا

    يجمعنا و يقول لنا بصوا يا ولاد لو جينا عند التقاطع و محدش منكم عرف ينزل يخليه فى القطر  ( و قد حدث مرة ان ظل اخى بالقطار و لم يستطع النزول) و ينزل المحطة اللى جاية هنيجى ناخده على طول ، (محطة التقاطع دى مكان بيهدى فيه القطار شوية  قبل ما يوصل محطته الاساسية يادوب بنلخق ننزل و ننزل الشنط )

    وصل القطار "للتقاطع" و نزلنا بسرعة  يناول بعضنا الكراتين و المشال

    رائحة الريف تملأ المكان  نقاء و راحة   لا يغفلها قلب و لا تكذبها عين حتى لو كان من محبى المدنية و صخبها

    الان ننتظر اى عربة   يطلقون عليها "تايوتا" تقلنا الى السكة البلاط و هى عاربة "داتسون"  محاطة بقماش خارجى  تجعلها اقرب لعربة الشرطة بداخلها وضع "دكتين" خشبيتين متقابلتين  يجلس عليهم الركاب بالاضافة الى ما يحملون من متاع و طيور احيانا و تسير العربة

      مع تعب السفر و ارهاق الوصول الا ان حبنا للمكان يزيل اى ارهاق  و يمحو كل تعب 

    وصلنا عند بداية العزبة  "العتٌه" بفتح العين و تشديد التاء ،

    وكنت اعرف المكان  بتلك المظلة الخرسانية الموجودة على الجانب الاخر من الطريق الموصل للقرية   

    بعد ما نزلنا قال ابى اقعدوا هنا شوية لحد ما اوصل للبيت ابعت لكم عربية

    و لم نلبث غير قليل الا و قد اتت العربة يجرها حمار لتقلنا الى دوار عمى محمد نركب على جابنى العربة ليحدث التوازن عند سيرها و نمشى فى الطريق الضيق على احد جانبيه زرع و الاخر مصرف ترى السمك فيه رأى العين

    و تعلو العربة و تتمايل نتيجة لعدم استواء الطريق و نتمايل معها وسط ضحكات مصاحبه لقلق الوقوع

    استقبال بحفواه لا يشوبه تكلف و ترحيب  يشعرك انك فى بيتك و ان كلمة ضيف هذه ليست فى مفرادتهم ، ما ان تدخل و تجلس تستريح يأتى اى طعام موجود بالبيت بسرعة غير عادية (جبنة قدبمة- طمام- عسل-  فطير -  اى شىء جاهز ) المهم ان ياتى الطعام بسرعة و ياكل كل الذى على سفر و هذا الامر ليس خاص بنا و لكنها طقوس عامة و عرف سائد يفعلونها دوما و  الى الآن.

     

    بعد حفاوة الترحيب و حسن الاستقبال  و الاحضان و القبلات الزائدة من الكبار و الصغار الرجال و النساء و الراحة قليلا ، نذهب لزيارة عمتى حميدة اخت عمى محمد جعفر و التى  كنا لا نحب المكوث هناك كثيرأ بسرعة نعود لبيت عمى محمد ، ويبدأ الاعداد لطعام العشاء الذى يعتبر الوجبة الرئيسية  ، و بعد الانتهاء من العشاء ، نقوم بالدور لنبدأ فى غسل اليدين و تقوم احد حريم البيت فى  صب الماء "لم تكن هناك مواسير للمياه"، بعد الانتهاء ياتى الشاى على الفور فى أكواب صغيرة  و يبدأ الحديث عن الصحة و الحال ،

    بعد العشاء  .. يمارس الناموس هوايته فى التعرف على الغرباء بلدغ  متواصل و تسمع اصوات الايد على الجسد و  ضحكات اهل البيت و السؤال المعتاد هو اشمعنى مش بيجى الا عليكم انتم,,  فريق مشغول بالضحك و اخر  بمقاومة الناموس

    نقعد جميعا رجال و نساء غالبا ما يكون النقاش حول خلاف معين و يكون ابى حكمًا فيه ، فقد كان مستمعًا جيدا داريا بالتعامل مع نوعيات البشر  ، استفدت من هذه المناقشات و لو بالتواجد فيها و لا ادرى ان كان أبى قاصدا جلوسى عمدا ام انها من قبيل المصادفة ، او انها محاولة منى للتقليد  ومجرد ارتباط الابن  الاكبر بابيه

     

     بعد فترة قصيرة يبدا توافد الاصدقاء لتبدأ  مباريات "معركة" "الدومينو

    نعم معركة الدومينو ...  على انوار لمبة الجاز او الكولوب احيانا فلم  تكن الكهرباء دخلت بعد  الا بيت المهندس بالقرب من السكة البلاط .. و تكو القعدة امام باب البيت

     

    يجلس عم فتحى الننى و عمى توحيد  فى مواجهة ابى و عم محمد جعفر  لتبدأ المبارة تلو الاخرى مع تعالى الصيحات و الضحكات و الرهانات المزيفة  ،  دائرة ليست بقليلومن المتفرجين من اهل البلد تقل شيئا فشيئا بمرور الوقت و انا وسطهم نتفرج و نشجع و تأتى  صوانى الشاى تباعًا ، و  لعب الدومينو لابد له من الخبط على الطبلية و التلذذ يصوت ارتطام عظام الدومنيو بخشب الطبلية   و كلما جاءت قفلة جيدة  او لعبه جميلة  يعلو  الضجيج اكثر و اكثر الذى لا يخلو من مزاح  و ينتهى اللعب بعد منتصف الليل على اقل تقديرو هذا لا يمنع الجميع من الصحو مبكرا

     

    حنفيه المياة امام البيت  حولها النساء و البنات يملأون اوانيهم ، و الجامع  على يساره  تل السباخ فى مقابلة البيت تماما ، فى الصباح نذهب الى الجامع لنتوضا و نغتسل 

    و ياتى الفطار خبر ناشف فى الفرن البلدى مع اللبن ممزوجا بالرز المهمر  "تسقية اللبن"  طعم رائع ، حلاوة ، جبنة ، "البكوم"  عجين عليه لبن  فى حجم القُرص  يذوب فى الفم  حتى لو بات شهور

     ثم  يبدا الفلاحون بالذهاب للحقول و يسرحوا بالبهائم ، كنا نذهب فى موسم الارز و الشهد  فنعاصر طريقة الزراعة و كم اكلنا من الشهد من الغيط مباشرة

    -          "اللى ما شربش شاى وسط الغيط على المنأج و الكانون فاته كثير اوى و اللى ما اكلش  الشهد طازه من الغيط فاته اكثر –"

      اشفق على تلك البهيمة التى وضعها على عينيها قطعة قماش حتى تدير الساقية لتجلب ماء الترعة لتروى الارض و لم أكن اعرف فائدة ان تكون مغمضة العينين ، فلما سألت عرفت انها تظن ان وضع قطعة قماش  لتغطية عينيها حتى لا تظن انها تدور فى نفس المكان و تظن انها تسير و تبدل موقعها . فكم منا مغمض العينين و اعمى رغم ان عيناه مبصرتان

    تسأل مرات عمى محمد امى هو ايهاب بقى فى سنة كام دلوقتى

    ردت امى : ابتدائية السنة الجاية ادعى له ربنا ينجحه


الاثنين، 3 ديسمبر 2012

[10]

اجتمع ابى مع عمى لتحديد موعد  الزيارة السنوية للبحيرة او للعزبة كما كنا نطلق عليها  وكيف سيتم التوافق فيما بينهما لتدبير اسبوع واحد لقضاءه معاُ  أو اقتناص بعض ايامه على أقل تقدير

وتم الاتفاق على الذهاب الجمعة القادمة ، فلم يكن بدأوا فى زراعة الارز بعد و لن يضرنا الناموس بالقدر الذى يستوحش علينا ويستفحل ايام الأرز وسقيته

ولم يمض يوم حتى كانت  اهل البحيرة بأنفسهم فى زيارة مفاجئة الينا وقد اشرت ان صلة القرابة  بيننا ابناء عمات من جهة عائلتنا واولاد اخوال من جهة  عائلتهم  وكانت الزيارات لا تاتى ابدا فرادى فيجتمع عدد لا بأس به ليملأ العربة المستأجرة التى تقل 14 راكبا على اقل تقدير  وتتبعها عربة أخرى محملة  بالشهد مفروشا تحته قش الأرز لتلافى صدمات الطريق  
فقد  تعودنا هذه الزيارة بعد موسم حصاد الشهد  يأتى عم محمد وعمتى حميده وما تيسر من ابناءهم وبناتهم
يستقبل عمى وابى القدوم بالاحضان والقبلات ويدخل الجميع الى الصالة وفى داخل الغرف يشير عمى وابى الى زوجاتيهما بتجهيز شىء من الطعام للضيوف "تصبيرة" حتى يتم تجهيز الوجبة المفضلة لهم وهو المحشى بانواعة
فى ثوانى تم تجهيز التصبيرة للضيوف فكانت من  العادات الجميلة ألا يتم تخيير المسافر تأكل ام لا  بل يتم وضع الطعام بشكل تلقائى امامه  ويبدأ يأكل على قدر استطاعته

وشمر  النساء عن ساعد الجد للاستعداد لمعركة المحشى المرتقبة  فريق يقطع ورق الكرنب وأخر يجهز الباذنجان والكوسة أخر يجهز الأرز بخلطته الخاصة للمحشى  وفى غضون ساعتين كانت الطبلية فى منتصف الصالة والتف القوم حولها ووضعت صينية كبيرة فى المنتصف و امرأة عمى تحمل  حلة محشى الكرنب من على الباجور رأسا حتى تفرغها دفعة واحدة فى الصينية الكبيرة واطباق المخلل الصغيرة على اطراف الطبلية فى شكلها الدائرى  ويبدأ  النزال ولا تغدو ان تمر لحظة بدون ابتسامة ولا لقمة بدون تعليق لطيف  بساطة جميلة ودفء بلا تكلف  وود غير مصطنع

و ياتى بعد الاكل دور الشاى  الاول للكبار والرجال مهما صغروا وبعد ذلك للحريم وإن كبروا ويبدأ الحديث وكثيرا ما ينفرد عمى محمد وأبى ليتبادلوا المشورة فكان لأبى نظرة صائبة وان بعدت نتائجها فى الاشخاص و تحليل الامور المعقدة  وفصلها لجزئيات تصلح للنقاش والحل
يمر الوقت المغلف بالألفة دون ان نشعر بملل و يرحل الجمع على وعد بانتظارنا فى نهاية الاسبوع

فى اليوم التالى وبعد انقضاء العصر و الاقتراب من الغروب  ارجع  للبيت اجد الباب مغلق  ، احمل الف علامة تعجب واضعها فوق كاهلى و  اسكنها قلبى معروف ان هذا البيت لا يقفل الا عند النوم منذ ان نستيقظ صباحا  ادفع الباب برفق لا ينفتح تزداد علامات تعجبى و  يصاحبها قلق لكن ثمة شىء يطمئنى انا هناك صوت بالداخل وكلما اضع اذنى على الباب اسمع صوت بل صوت عال لا اميزه لكنه صوت عال لا اميز اصحابه ادفع الباب بقوة لا يفتح ابدأ بالخبط الشديد على الباب الخشبى حتى يكل متنى و يخور ساعدى ارتاح قليلا انتقل من خبط الباب الى خبط الشباك بقوة مرت دقائق تربو على العشر وانا فى هذا التنقل بين خبط الباب ودفعه وبين  خبط الشباك حتى اتانى مجيب من أمى وقالت ادخل واقفل الباب وراءك بسرعة دخلت على تخوف ، مع اولى خطواتى شعرت بريبة و ان هناك حدث جلل واصوات الهمهمات الداخلية تؤكد وكل شبر اخطوه زيادة يزيدنى يقيناً  واستيقنت اكثر مع اصعدة الدخان التى مرت بناظرى وهى تخرج من فتحة الصالة لترتفع لمعانقة الهواء وتزول مع اول هبة هواء شديدة ، مع تدقيق النظر يتراءى لى ان لون الدخان ليس ابيض فحسب لكن هناك الوان مختلطة ممزوجة به 




لعلى لم اميزها فى البداية لسيطرة اللون الاصلى للدخان الذى استدعيته من ذاكرتى عندما ارسل لى عقلى ان هذا الشىء يسمى دخان اقترب من الباب وتزيد الهمهمات ، ويملأ القلب هذا الشعور المتوجس المترقب لشىء جلل يصاحبة هذه المغصة اللاشعورية اللامرضية ، تنادى لى امى لادخل وانا اكاد لا اسمعها حتى تصرخ فى وتشير لى بيدها من فتحة باب  بسرعه ادخل .. ادلف الى الصالة  بجانب جسدى ملتصقا بالحائط و انا لا اصدق ما ارى او ان شئت الدقة لم ار هذا من قبل نساء يملأن الصالة يرقصن بحركات عجيبة حركات رؤوسهن اكثر بكثير من حركات الجسد حركاتهن متدافعة سريعة  لا يتحملها الشخص العادى فى وسطهن ابله فايزة زميلة ابنة عمى جسدها النحيل لا يكاد تراه العين بسهولة فى وسط هذه الاجساد الفارعة تتعرض لوكزة خفيفة من احداهن لتقلدها فى حركاتها بقول اسرع اسرع احداهن على الجانب الاخر تمسك دُف تخبط عليه خبطات غير متناسقة لمجرد اصدار جلبة وصوت بنية الازعاج  ، ابله فايزة تتدافع دفعات بينهم وتكاد تفقد الوعى  وتدخل ابنة عمى معها طواعية فى وسط هولاء النسوة تشاركها هذا الفعل فما استطيع ان اطلق عليه رقص  فقد يكون درجة من درجات ايلام النفس والسعى لعذابها طواعية لذنب اقترفنه او لا ارداية لتمنى اخراج روح معذبة دخلية من الجسد لتنعم الروح الاصلية بالهدوء والامان ، وازداد التدافع والهرج وزاد ايقاع الدف إلى أن سمعت صرخة كبيرة مدوية  عانقت البخور المنبعث من اركان الصالة وسقطت على اثارها ابله فايزة وابنة عمى على الارض  اتت اقرب امرأة  بجوارها  بارنب لا ادرى من اين اتت به وذبحته وتناثر دمه على ملابس كلتاهما قبل ان يفقدا الوعى وتتحرك النسوة بعدها لخارج المنزل بعد انتهاء المهمة دون كلام او سلام لا منهم ولا من اهل البيت
وسمعت بعدها كلام عن وجود جن متلبس بها "أبلة فايزة" وانه مانعها من الزواج فكان لا تدوم لها خٍطبة  ابدا دون معرفة الاسباب فكان اللجوء الى هذا الزار لعل فيه الدواء

كان ابى يرفض هذه الاشياء و يمانعها بشدة  فهى مخالفة للعقل والمنطق وكذا الدين والشرع مع اقرارة بوجود الجان و لكن تلبسهم بالانسان بهذه الطريقة وان يكون سبب فى ضرهم هذا ما كان لا يقبله عقله
ولما علم ثار ثورة عظيمة و قال هذه اخر مرة تتم هذه الخرافات والخروقات فى المنزل و طلب من امى وزوجة عمى تحديد النواقص لزيارة البحيرة المرتقبة

أول إصداراتي الورقية مجموعة قصصة نقوش على ثوب الألم