حينما اوقظته أمه في الصباح الباكر ليستعد للذهاب للمدرسة نهض متثاقلاً , الجو حار اليوم والشمس ستضايقه أثناء لعب الكرة في المدرسة هذا اليوم . ارتدى المريلة الخاصة بالمدرسة , ذهب ليفطر , جلس بجوار والدته التي كانت تبتسم وهي تضع له الأكل , كان ابنها الأكبر ,أول فرحتها مثلما تقول دوماً .. حينما مد يده لأبيه ليأخذ مصروفه قبل يد والده , حمل حقيبته القماشية التي تحتوي على طعامه , كراريسه و أقلامه الملونة التي يحبها , كانت هدية من أستاذ الرسم لتميزه في تلك المادة , ركض يركل الأحجار الصغيرة في الطريق الضيق , وصل للمدرسة في الميعاد المعتاد ووقف في طابور الصباح ..
حيى العلم وأنشد الأناشيد بأعلى صوت يمكنه , يجب أن يكون صوت طابوره أعلى من طوابير الصفوف الأخرى , يضحك , يهز يده في إشارة لأصدقائه في الطوابير المجاورة محاولاً تفادي أن يلحظه الأستاذ كي لا يعاقبه أمام الكل لعدم انتظامه , حمل حقيبته من على الأرض ونظر لملعب الكرة وفي ذهنه كيف سيركل الكرة اليوم ركلة تجعل الكل سيخاف من الوقوف أمامها ثم صعد إلى الفصل ..
“الغياب” , رفع يده حينما سمع اسمه .. تشاجر مع زميله على من سيجلس في الصف الأول , أخرج كل ما بحقيبته القماشية , نظر بنهم للطعام , حاول أن يقضم بعضه بدون أن يلحظ الأستاذ , لحسن حظه – هكذا ظن حينها- انطلق الصوت , كانت الطائرات السوداء تحلق في سماء إبريل الصافية , “طيارة .. طيارة” , “ذاهبة لتقتل اليهود” قالها أحد زملائه , كان يحب الطائرات وكان يتمنى أن يقود إحداها ولكن دوماً ما كان أخيه يغيظه بأنه أصغر من أن يفعل ذلك ..
دارت بذهنه الأسئلة الكثيرة , ماذا تفعل تلك الطائرات هنا ؟ وأين هي ذاهبة ؟ ولماذا كان المدرس يصرخ فيهم ؟ , وبعدما دوى الانفجار الأول تاهت الأسألة وسط الصراخ والأنين .. لم ينقذه الموت فوراً , على الأرض كان ينزف وعقله يتسائل , لماذا لا يسمع صوت لصديقه ولا حركة رغم أن عينه مفتوحة ؟ من سيأخذ أقلامه الملونة بعده ؟ هل ستأتي أمه لتأخذه للحكيم ليعطي له حقنة تزيل عنه الألم الذي يحس به مثلما تفعل كل مرة يتألم فيها ؟ هل سيأتي أباه لينتقم ممن آلموه مثلما فعل مع اولئك الكبار من المدرسة الإعدادية الذين ضربوه ذات مرة ؟ كيف سيلعب الكرة والملعب مليء بالركام ؟ .. اسئلة كثيرة وإجابات لن يعرفها أبداً ..
ولم يعرف أنه لن يعود ذلك الشخص مرة أخرى , لم يعرف أنه سيصبح مجرد رقم من 30 رقماً , لن يرى بسمة أمه ولا ضحكة أبيه , لن يلعب الكرة أو يرسم مرة أخرى .. لم يعرف أن الطيارين الإسرائيليين عادوا إلى القاعدة ليتناولوا الإفطار ويهنئوا نفسهم على عملية ناجحة أخرى , لن يعرف أن دمه (راح هدر) للأبد .. لحسن حظه لم يعرف ..
وستمضي الأيام , لن يتذكره أحد , لن يُحاسب من فعل تلك الفعلة , ولن يحلق بطائرته في يوم من الأيام ..
كان نهاراً مشمساً , كانت مدرسة للمرحلة الابتدائية , وكانت جريمة قتل بدم بارد ..
الدرس انتهى لموا الكراريس
بالدم اللى على ورقهم سال
في قصر الامم المتحدة
مسابقة لرسوم الاطفال


7تعليقات
Comments feed for this article
10 أفريل, 2009 في 6:43 م
إيما
يااااه!!
قد أيه الأحداث مهما كانت شدتها بتبقى بعيدة وبتضيع تفاصيلها مع الزمن!شكرا على التذكير يا محمد لكي لاننسي فعلا!!فيه حاجات تبقى كارثة لو اتنست
عايزة أقولك من التدوينة اللي فاتت حمد الله على سلامتك وسلامة المدونة 🙂
بجد بجد النت والمدونات والتدوين بيفقدوا كتير جدا من جمالهم وقيمتهم بغيابك وبالصمت الطويل هنا!
يا رب بقى أعدي من هنا كل يوم ألاقي تدوينة جديدة افتقدت رحلاتى اليومية هنا جدا :)!
يا رب تكون بخير دايما أنت والمدونة كمان
13 أفريل, 2009 في 11:28 ص
شمس
لايمكن ان ينسى الانسان اعز الناس الية ولكن يتعود الحياة مع الاحزان
14 أفريل, 2009 في 10:36 ص
mohamed
إيمان , ازيك عاملة ايه؟ للأسف الأحداث مع الوقت بتروح قيمتها ومعناها وبتبقى مجرد كلام على ورق ..
وده غلط اوي ..
الله يسلمك , أنا بس مكنتش بالبال الرايق اني اكتب حاجة .. انتي عارفة ..
عقبال ما ترجعي انتي كمان ..
شمس , 🙂
14 أفريل, 2009 في 4:15 م
رزان
طيب ليه بتقول دمهم راح هدر؟
مش المفروض يعني انتقمنا لهم في حرب 73 بغض النظر عما جرى بعدها؟
..
مرحبا بعودتك 🙂
15 أفريل, 2009 في 1:21 ص
molo1ov
معلش عشان خطرى بلاش الكلام ده عشان بيستفزنى يا محمد …. خلينا نركز فى العبارة اللى مات فيها خمسين ضعف اللى ماتوا فى المجزرة … و اللى بيموت كل شهر فى مصر من الفساد قد اللى ماتوا فى حروبنا مع اسرائيل كلها
اللى مات ده مات شهيد احسن ما يعيش مذلول و جعان و جربان و عيان و سقعان
نفسى ننسى اسرائيل كلها و امريكا و نركز على عمال شغال تقليب و توريث و تعريص ..بعديها نفوق لامريكا و اسرائيل و الكفار والفرنجة و الانجليز و التتار و الرومان و المماليك
16 أفريل, 2009 في 6:43 ص
mohamed
رزان , لا اللي حصل في 73 اترمى في اللي حصل بعد كده .. معتقدش أن حد من اللي مات في 73 لو رجع للدنيا هيبقى راضي عن اللي هو مات عشانه ..
مولو , ازيك عامل ايه؟ أنا مش معترض على كلامك بس ببساطة أنا مش شايف إننا نهمل ده ونمسك في الباقي , لازم كله يبقى في دماغنا عشان نتعلم الدروس صح ..
10 أوت, 2009 في 4:47 م
أميرة الحلم العربى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
للآسف الكلام كتير قوى وجميل جدآ وأن دل فأنه يدل على ناس واعيه ومدركه لحقيقة ألآحداث.لكن ياجماعة الخير ملينا من الكلام وتعبنا منه عايزين نتحرك ونعمل حاجه لآخوانا فى فلسطين لآنهم أدمرو خالص من اليهود الى لابيعرفو ربنا ولاليهم دين اصلآ.أزاى يا عرب تخلوا ناس ماليهم كرامه ولازمه ولاحتى ليهم لازمه يعملو كده فى بلدكم ودى مش أى بلد ده ليها مكانه عظيمه عند الله جل علا وأيضآمزكوره فى الآديان السماويه وبها كما تعرفون المسجد الآقصى ومدركون قيمته أيضآ.كل هزا يامسلمون مش محركو ولامحرك نخوتكم ولاحتى رجولتكم .يعنى أيه عايزين تخلوا الخونه الى مليهم قيمه أصلآ يتحكم فينا ويفتكروا
أنهم قدروا علينا ده بعينهم والله مايقدرو علينا لآننا أحفاد الرسول وكمان نسبنا أصيل جدآ عنهم لاكن احنا للآسف مش مقدؤرين قيمة ده.خلاصة الكلام لو أنتم مكان الفلسطينين وولادكم بيموتوا قدام عيونكم كل يوم هتعملو أيه.وكمان لوبنلتكم وزوجاتكم واخواتكم وامهاتكم ونسائكم بيغتصبوا أمام أعينكم هتعملوا أيه ياعرب يارجال يامسلمين بالزمه ده ينفع بحق مين ده وبشرع مين ده.طب هات لى دوله واحده أجنبيه مستعمره من قبل العرب أهههههههههههههه طب ليه أحنابيتعمل فينا كده.فكروا ورودو على الى تشوفوا ومتخفش من حد أتكلم وعلى صوتك لآنك هتتحاسب على سكوتك ده يامسسسسسسسسسلم اصحو فوقوا.السلام عليكم يا زعماء وقادة الاسلام فيما بعد متتعودوش أن أنتم تسكتم علشان لما تمسكم القياده تعرفوا تدافعم عن الآسلام ياشباب فوقوا واصحوا وأ رفعوا رأإسكم من تانى يامسلمون الكلام كتير وأناطولت عليكم لاالله الا الله*****